الجمعة، 24 يونيو، 2016

بريطانيا تخرج من الاتحاد الأوروبي ، مرايا وأسئلة





بريطانيا تخرج من الاتحاد الأوروبي ، رغم محاولات حكومة ( كاميرون ) الحثيثة عدم حدوث ذلك، ولا أعلم هل دشّنت حكومة كاميرن حربًا إعلامية وعلى السوشال ميديا لثني البريطانيين عن ذلك أم لا؟ لكن البريطانيين اتخذوا قرارهم الشجاع ، ولا أعلم هل اتهم أحد بريطانيا بشقّ عصا الطاعة أم لا ، كما اتُّهمت مسقط حين لم ترغب بالانضمام للاتحاد الخليجي [ والذي تداعى برفضه من تحت الطاولة دول خليجية أخرى بعد ذلك ] ، وهل سيكون خروج بريطانيا جرسًا لتفكيك كثير من الاتحادات الدولية والأممية الصورية أو إعادة هيكلها أم لا ، وأميل إلى أن إجابة هذا السؤال هو نعم.

هذا الحدث له ما بعده، ويؤكد أن بريطانيا التي كانت لا تغيب عنها الشمس جغرافيًا، حافظت على ضوء من الشمس في جمجمتها، وهو ضوء الحرية والديموقراطية والقرار المصيري، وَإِنْ كان ضوءًا يتراوح وهو يخبو ويضيء، 
لكني أحب المباشرة في استثمار هذا الموضوع لمناقشة بعض الأفكار:
١- بريطانيا التي تؤخذ ( ثقافتها السياسية ) إلهامًا في كثير من الدول العربية ، بها ملكة ، ورئيس وزراء ، وبرلمان ذو صلاحيات حقيقية واسعة، بالإضافة إلى (براجماتية استخباراتية) تجيد بريطانيا استخدامها كيف ومتى، هذا النظام المَرِن أنقذ بريطانيا في عدة مواقف ، ففي حين يكون الأمر مُلِحًّا خارج رغبة الشعب، تُطبخ الحسابات في المخابرات ، ويُفرض القرار ، مثاله حين قال "كاميرون" [لتذهب حقوق الإنسان للجحيم حين يتعلق الأمر ببريطانيا] وكذلك كما أُشيع أنّ أياديَ مخابراتية ماهرة لعبت بصدق الصناديق في قرار انفصال اسكوتلاند عن بريطانيا ، بينما دوَّت الطبول الإعلامية بضرورة (دمقرطة القرار البريطاني) حين تورّطت حكومة "كاميرون" بالانجرار وراء واشنطن في الرغبة بتوجيه ضربة عسكرية ضد طهران ذات تعنّت، لولا أنّ [ حاكمًا عربيًا] أخرج لندن من هذه الورطة بحيلة وجوب العودة للبرلمان 'كما تحدثت بعض الصحف' .
وعودة إلى أن بريطانيا تؤخذ ( ثقافتها السياسية ) إلهامًا في كثير من الدول العربية، لكن هذه الدول العربية لا تستطيع تطبيق هذه المهارة البريطانية في كيفية انتقاء الخيارات لتنفيذ القرارات ، والسبب في رأيي أنها دول (عرشيّة) أكثر من بريطانيا، أي أنها لا تحتوي على رئيس وزراء، والذي يقوم مقامه يكون ذَا صلاحيات مقننة جدًّا بمساحة حوض أسماك الزينة، والبرلمان بها في كثير من الأحيان مثل ( ولد الشيخ الذي مات أبوه ) وصلاحيته ( تعال تقهوى ، وتعال أوقّع لك ) ، كما أن السلطات الاستخباراتية تتحول في أحايين ما لمدرس ابتدائي ، يقرص أذن الطالب لأنه تكلم على ( مدرّس سيادي) وكأنّ المخابرات صارت للعائلة المدرسية، أو أنّ (المدرس السيادي) يُحدثه وهمُه باعتلاء أعلى المناصب ، لذلك يُقرر من الآن أن ذاته مصونة، وللتكييف القانوني في ذلك صولات وجولات.
٢- ' كاميرون ' يُعلن استقالته بكلّ أريحية ، رغم أن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي كان قرارا باستفتاء ، وفشل حكومة كاميرون فيه قد يكون نجاحا له، حيث أنه يستطيع القول [ أيها السادة ، كنتُ بصفتي الشخصية والحكومية أتمنى عدم انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ، ولكنني مع ذلك أحييكم وأحترم قراركم، وسأنصاع له وأعمل صادقًا وبجهد لأن تظل بريطانيا هي بريطانيا ] والحكومات قادرة على سلب الجماهير من أمخاخها ، ويظل كاميرون في منصبه ، لكن الرجل قال عن نفسه فيما معناه [ أنا لستُ رجل المرحلة ] ، وهذا تعبير وقرارٌ مهم وشجاع وصادق ، يُجدد الدماء في الدول ، ويوفر الخبرات ، بينما نحن في الدول التي تأخذ من بريطانيا ( ثقافتها السياسية ) إلهامًا ، صدق فيهم أنه في الكرسي مثل ( الحمّام العربي "أكرمكم الله") نحتاج (للبلدوزر) لاقتلاعه من منصبه ، وقد يكون هذا البلدوزر حربا طاحنة ، ناهيك أن هذا ( الحمّام العربي ) يكون كالدم المتجلط الذي تتجلط بِه تنمية الدولة، فلا تجديد إلا كقاطور الجحلة، ولا خبرة إِلَّا خبرة كيف يجيد الاحتيال في نهب ثروات البلد (بطرق مشرعنة) .
٣- مثل هذه القرارات المصيرية التي يُمضى فيها قرار الشعوب [وهذا لا يعني تصديقي لطهارة الديموقراطية الأوروبية ] لكن هذه القرارات تعيد روح الحياة للشعوب ، فتستشعر في نفسها أنها لأوطانها وأوطانها لها ، فلا يُطلب منها أنْ تكون لاقطة فضلات أصحاب الكراسي الدائرية المتوارثة، أو دافعة ضرائب فقط، أو شمّاعات وجنود مجهولين في الحروب ، بينما الساسة والقواد في الفنادق الضخمة، هذه القرارات لا تُحسّس الشعوب أنهم (أغنام في حضيرة الراعي)، كما أنها توفّر منجمًا تاريخيا للأجيال القادمة على قوة الشخصية الوطنية، فرحى الأيام تدور، والتاريخ والفكر جمْر الشعوب وبراكينها، وحين تستذكر الشعوب أنّ أجدادها قرروا كذا وكذا، تنهض همَّتها لتقرير مصيرها وحماية وطنها.
٤- من النقطة الأخيرة ، هذه الآلية ( الاستفتاء الوطني الصادق ، والترجل عن المنصب لصالح المرحلة الوطنية ) وكذلك هذه القرارات تقوّي الشخصية الوطنية ، فَلَو حاولت {{ أرَضةٌ }} أنْ تجد ثغرةً في جسد الوطن ، تجد أنّ الوطن محصّنٌ بقوّته الداخلية وليس مُعلّقا بمشجب أشخاص ، بل لن يقعد الوطن ينوح على صورة (الشيبة المعلقة في جدار المجلس ) كونه كان سمط العائلة ، والربّ الأوحد لقراراتها، ناهيك أنّ هذا الترجل يدمغ وبقوة فكرة ( عقمتْ النساء أنْ تلد مثل فلان)

شخصيا عملتُ مع بريطانيين في مجال عملي ، وظهروا لي أنهم منصفون، وأخبرني كذلك أبي عنهم، ومع ذلك فأنا لا أرتاح لهم نفسيا ، ولكن تحية لما ظهر منهم من شجاعة وحرية في اختيار قراراتهم المصيرية ، تحية للملكة ولكاميرون وللحكومة في بريطانيا، وتحية كبرى للشعب البريطاني.

السبت، 28 مايو، 2016

"يوتوبيا" التشابك والاِشتباك

* تنويه متعَمّد: رُفض نشر هذا المقال في كبار الصحف الورقية والاِلكترونية في السلطنة، لأسباب مختلفة، وهذه الأسباب في حدّ ذاتها تحيلُنا لأسئلة عن واقع علاقة الثقافة بغيرها في السلطنة.
يونس بن مرهون البوسعيدي

مُنذ مُدّةٍ يشغلُني هاجسُ وفكرةُ فك الاِشتباك ومساءلةُ الحوار عن إمكانية وجود أرضيّةٍ ثابِتَةٍ له، تكون قنطرَةً للعبور بالوطنِ للغد، والآن أستطيعُ القولُ أني وجَدْتُ إحدى حالات التخمّر للعلاقة بين رَمْزَينِ مِنْ رُمُوْزِ "اليوتوبيا" في السلطنة، "البريهة والقلم" بعد اتضاح بعض القسمات السياسية والفكرية لمرحلة ما بعد الربيع العربي، ومع إبصار حالة التشابك والاِشتباك بينهما إلّا أني ما أزال أتساءلُ ما هو الممكن لبلورةِ علاقَةِ تشابُكٍ أكثر من الاشتباك، هنا أشير لاعتقال الأستاذين عبدالله حبيب ثم سليمان المعمري، هذه الحالة كان قبلها حالات اعتقال، وأتمنى أنْ لا يليها اعتقال آخر، لكنني آخذ هذه الحالة أنموذجًا لهذا المقال لسببٍ مهمٍّ، وهو أن هذا الاعتقال لم يكن بسبب مسّ ذاتٍ مصونةٍ، أو كلام غيرِ لائق لجهةٍ أمنية، بل كان بسبب فعلٍ ثقافي "نبْش تاريخي" ثم ردّة فعل لذلك الاعتقال، وهذا أعادَ لِذهني أسئلةً كنتُ نبشْتُها في مقال سابق عن المسموح به والمُمْكن لإظهار "المكوِّن الثقافي" وَمْن يقيس مساحة الممكن ومَنْ يُقنِنُها؟ وهل للمثقف الحق الوحيدِ في العناصر الثقافية، في التكلم والدفاع والتعامل معها، أم أنّ للسُلْطة "الأمنية" حقًّا أصيلًا وأكبر وأقوى في التعامل مع هذه العناصر "ولو كان ككتلة ماديّة" واستخدامها مع مُعطيَات سياسية واجتماعية أخرى؟ إلى الأسئلة الأخرى التي تتولّد وتتوالد بطبيعة حال السؤال، وما سيؤدّيه ذلك إلى اشتباك معتاد لكنه ساخن بين "اليوتوبين" والسُلْطَتين الثقافية "والسياسأمنية" إذا صح النحت.
 سأتجاوز الحديث في هذا المقال عن سرْدِ الأحداث، وما بدا مِنْ انقسام في الوسط الثقافي إبّان الاعتقال، وبدا لي أنّ هذا الانقسام أكسبَ السلطة الأمنية استحقاقا في اعتقالها، أو ربما اعتقال أحد المُعْتَقَلَيْن، هذا الانقسام كان لأسباب منها الشخوص والعلاقات الشخصية، وأبعاد القضية، والتوجّس، وتوسّعَ أو انكشاف دائرة "المثقفين" بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، فبالطبع لم تَعُدْ شخوصه محصورةً في الوجوه التي كانت تظهر في الصُحُف، كما أنّ هذا الاعتقال جاء بعد انتخابات جمعية الكتّاب والأدباء التي أظهرتْ شرخًا في تعامل المثقفين مع أنفسهم في قضاياهم الديموقراطية، وهو ما انعكس في التعامل مع الاعتقال، كما بدا مِنْ بعض الكتابات الفيسبوكية.
كلمة "المثقف" في هذا المقال ذات مغزى محصور، فلا تتوخى الكاتب أو الأديب فقط، ولا تتوخّى المثقف المُهادِنْ للسُلْطة في كلّ صحّ أو خطأ، بل تتوخى المُثقف المطالِب بمراجعة القانون الذي يقول عنه أنّ مساحة الحريّة الثقافية فيه غير كافية، كما أنّ السُلْطَةَ في هذا المقال تتوخى "تقريبًا" السُلْطة الأمنية التي "تمتهنُ بمعنى المِهْنة لا المهانة" حراسة الحدود الفكرية للوطن بآلية عملية ذات سند قانوني، لا تخلو من "حِيَلْ فكرية مُتَمَثِّلة في القُدْرَة على التعامل الإلكتروني –لو صحَتْ هذه النقطة ، وهي ليست تهمةً أو عيبا-، وكذلك آلية التعامل مع المثقفين، وأستخدمُ هنا كلمة تمتهن دلالة على أنّ ذلك عملٌ وظيفيُّ لها كُفِلَ بالقانون، بِغَضِّ النظر رضي المثقف أو لَمْ يرضَ عن قوةِ تلك الكفالة، كما أني أظن أنّ هذي "السُلطة الأمنية" لا ترى نفسها مسؤولة عن أي عطاءٍ ثقافي أو قانوني أو سياسي أو اجتماعي يتطلبه المثقف بالمقابل، الذي في كثير من شرائحه يربُطُ بين الكفالة القانونية، والاشتباك الثقافي مع السُلْطة أو الإدارة الثقافية مِنْ جهة، وحقوقه المدنية والاِجتماعية مِنْ جهة أخرى، كونه يرى السُلْطة كتلةً واحدةً في كثير مِنَ الأحايين، بينما السُلْطَةُ الأمنية لا ترى نفْسها كما يراها مجتمع المثقفين، وأظنّ أنّ هذه هي إحدى الجَوْزات التي يجبُ كسرُها، إنما أنّى؟
تشريع السُلطَة الأمنية لقوانينِها، و ردّة فعل شريحة معتبرة من المجتمع الثقافي أنه قانون أحادي الجانب وليس عقدًا اجتماعيًا، وفهم كلا الجانبين لرغبة الآخر وربما امتعاضه من دورِهِ ومهنيّته، يُظهر البرزخَ بينهما بجلاء، ولأنّ الثقافة هي الجمرُ تحت الرماد في تسيير الأمم والمجتمعات، ضمن عوامل أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية، وتأريخيًا هي أكثر العوامل صدامًا مع السُلطة، فأظنّ أننا في السلطنة نحتاجُ إلى إعادة النظر في تنظيم [الإدارة الثقافية] وليس الفعل الثقافي[1]، خصوصًا أنّ الإدارة الثقافية مقنّنةٌ في (معظمها وليس كلها) بالمِظلّة أو الرعاية الحكومية، وهذا يُحيلني سريعًا إلى هامشٍ في الكلام أشيرُ فيه بين المساحات الإدارية للمهتمّين بالثقافة الأدبية أو المسرحية مثلا عابرًا، مقارنةً بالمساحات الأخرى للمنشغلين بتنظيم الفعاليات الاقتصادية أو الاِجتماعية أو الدينية مثلا، هذه الإشارةُ تريدُ مِنَ المهتّمِ أنْ يضع بنفسه الأسئلة والأجوبة، ومدى الفعاليات والإمكانية، وجُهد المشتغلين، وووو....إلخ. وأرى أنّ توسيع حدود مساحة الرعاية الحكومية وفق نظُم وقوانين "مُتفقٌ عليها" سيوجد متنفّسًا وتنافسًا فكريًا وثقافيًا وطنيًا خلّاقًا، عِوَضًا عن "تَمَلْمُلِ" البعض مما رأوه تضييق خناق أمثلُتُه ما تزال في الأذهان والذاكرة، لهذا فإني أنّ بوابة ذلك تتمثّل في إعطاء المثقف عددا أكبر من مقاليد صناعة الإدارة الثقافية، والمساهمة في وضع القوانين التي تنظّم العمل الثقافي، مع استذكار أنّ مجلِسَي الشورى والدولة في السلطنة يقومان بمثل مُتَطلّبِ هذه الفكرة، وكفكرةٍ في مقاربَةٍ بينهما أتساءلُ عن إمكانية "تكثيف" العمل المشترك بين المثقف وهذه الأجهزة.
مع ذلك أتساءلُ ما إمكانية رسْم منطقة حياد، أو مكانة الأعراف على أقلّ قليل، بما نتمتع به في السلطنة من مُتّفق عليه أكثر من مختلفٍ عليه، وماذا يُعطي المثقفُ لوطنِهِ؟ ربما تجاوبُ السلطة الأمنية: غالبًا الصُداعَ، فالمثقف ليس حدّادًا يصنع باب حديد، أو طاهيًا فيطهو معكرونة، المثقف يقولُ أنا أدُلُّكَ على الضعفِ الذي يدبُّ في رُوحك، والأورام التي تَظهرُ في جسدِكَ لتسرع بعلاجها، لكنكم تُنْكرُون إلّا قليلا. ولولا المثقف لمات الوطن، هنا أستذكر كتاب عودة الروح لتوفيق الحكيم الذي تأبطه جمال عبدالناصر، وغيرها من الكتب التي يُحشى بها الجمجمة التي تتمترسُ بها "البريهة" والتي لولاها لرجعت البشرية إلى عهد إنسان الغاب.
كان مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والفكر، نشرَ في نوفمبر 2014م كتابا هدية من المجلة الثقافية، هذا الكتاب عنوانه "الحدود بين حريّة التعبير والإساءة إلى الآخر" للشيخ الدكتور محمد بن سالم بن عبدالله الحارثي، كُتب بخطٍّ صغيرٍ تحت عنوانه عبارة [نحو ميثاقٍ للتعايش السلْمي والاحترام المتبادل "في الثقافات المُعاصرة"] وهو كتابٌ دسم، بدا لي أنه حياديّ في إمكانية الرجوع إليه والاستشهادِ به "كمادَةٍ علميّة" تُضاءُ منها الحاجةُ لمعرفة العلائقيات التي تشبكُ وتشتبكُ بين المثقف والسلطة، مع التنويهِ مُسبقًا أن ما أورَدَهُ الباحثُ هنا مُتَفق عليه في مُعظَمِهِ[2]، وإنما مختلفٌ في تطبيقِهِ، إذن فالاختلافُ هو في فهم وتطبيق ما اتُفِقَ عليه. هذا الكتاب يجعلني أطرحُ مرّة أخرى عن الرغبة والإمكانية في (التفاعل) الثقافي والفكري بين المثقف والسُلطة، لكني هذه المرّة أوسّعُ دائرة المثقف والسُلطة، أو استحضر شخصية "مُثقّفٍ في السُلْطةِ[3]" يرى الأوراق الرسمية الحساسة للسلطة السياسية والأمنية، ويقرأ الحراك الثقافي العالَمي، مسُتشعِرًا إياه على الواقع العُماني.
فماذا يُريدُ المثقَفْ؟ وماذا يُرادُ مِنَ المثقف؟ وهل تستطيعُ السُلْطَةُ الأمنية[4] |ربما| بِـ"فهلوةٍ أو فبركةٍ" مُعيّنةٍ أنْ تعقد مع المثقفين [قانونا "إجتماعيا"] وفق مرئيات تقريبية للفهم العام لدلالة "خيانة المثقفين" وليس من النصوص الأخيرة (لخيانة المثقفين) لإدوارد سعيد؟ التي يبدو أنها حاليًا تستخدمُ "المتعلِم[5]" حسب نظرة إدوارد في التعامل مع المثقفين، أو في ظِلّ تطور معرفي وحضاري جديد للمثقف، ستتعدى نظريّة إدوارد الذي لَمْ يُكتب له مشاهدة الربيع العربي ومآلاته السياسية والفكرية، وأظنّ أنّ صياغة "القانون الثقافي الاِجتماعي" سيكونُ المُحَلْحِلْ الأول لحالة الاشتباك الثقافي الأمني.
الدول الكبرى لا تخوضُ حربًا إلا بموافقة برلماناتها، وقد يكونُ ذلك صوابا أو خطأً، وقد يكونُ ذلك الظاهر للعيانِ فقط، وليس ما تُخفيه الأروقةُ المخابراتية أكثر، بل ما أفرزتْهُ آلية رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد كسرَ هذه الديموقراطية النمطية لتلك الدول الكبرى، لكن هذا يعني أنّ الأمر الجلل العظيم لا يتمّ بأمر البريهةِ وحدها فقط، والأمثلة السياسية [الظاهرة] كثيرة، إذنْ فالدول الكبرى استوعبتْ واستساغتْ فكرة المساحة التي تُعطى وتُقنّنَ، وهذي في حدّ ذاتها مساحَةٌ لو أُتيحتْ في عُمان، بتحديث مُمْكِناتها وإمكانياتها الثقافية والسياسية، ستُشكّل الرئة الجديدة في تنقية هواء الاحتكاك بين السلطة والمثقفين، إنما السؤال مرّة أخرى أنى؟
أظنّه يجبُ أنْ نستوعب في السطنة أننا يجب أنْ نؤسس مرحلة ثقافية وفكرية "وطنية" أخرى، شُجاعةُ في اقتحامها "الممنوعُ عُرْفًا" وربما "ذات التأويل القانوني" مِنَ المرحلة الثقافية المُتوخّاة، هذه المرحلة، قد لا تختلفُ كثيرا عن المرحلة الحالية إلّا في مناقشة وحلحلة ذلك "الممنوعُ عُرْفًا" الذي يبدو أنه تجاوز مرحلَته أو سيتجاوز مرحلتَه لا محالة، والمتمثلة في كثيرٍ من آلية عمل الإدارة الثقافية في السلطنة، والمساحات المعطاة، وبعض القوانين المُقيّدة، وإعادة النظر في المناهج الدراسية بما يقوّي الجيل القادم من السلطنة، وضخّ منسوب استيعاب وفهم كبير للأجيال القادمة بحركة التاريخ، وأهمية الرموز العمانية، فالتاريخ لا يُمكن أنْ يعيش مدفونًا في مندوس خشية أنْ يُلاقي مصير وضّاح اليمن، كما أنّ الأجيال البشرية تشهدُ تغيّرًا متسارعًا في آلية الفكر والتفكير، ناهيكم أنّ تعامل الإدارات الثقافية مع المكونات الفكرية والثقافية العُمانية أغرى غيرنا بها، وأوجدَ فجوة (أظنها) تتسع بين المثقف والإدارة الثقافية، ستتسبب في حالة اشتباك أخرى، بينما الأجمل أنْ نعمل على تشابكٍ كغصونِ الشجر، لتكون لدينا حديقة ثقافية جميلة.



[1] أقصدُ بالإدارة هنا هو مَنْ يقيم ويرعى الفعل الثقافي، كالمنشط الثقافي، في حين أنّ الفعل يتمثل في إقامة ذلك المنشط كالمحاضرة أو كتابة كتاب.
[2] أقولُ في معظمِهِ لأنّ الكتاب الصادر عن جهة رسمية تتبع ديوان البلاط السُلطاني، مثلا يقولُ في صفحة 65 أنّ مِنْ عناصر حرية التعبير عن الرأي هو ارتفاعُ العصمةِ عن أي أحد، وبالطبع لا يُطبّقُ هذا حرفيًا في السلطنة، إضافة لأمثلة أخرى لا يتسعُ لها المقال.
[3] في عُمان ، يوجد لدينا مثقفون في السُلْطة وفي مناصب قيادية، بعضهم وزراء، كما أنني نوّهتُ أنّ الحكومة وضعت لجانا ثقافية في مجلسي الشورى والدولة، ويُستعان في بعضها بمثقفين ذوي خبرة عملية، وحاملي شهادات عليا.
[4] هنا القصد على مستوى الوطن العربي مثلا، إنما أتمنى أنْ تكون البداية من السلطنة، متجاوزين فكرة انتظار ثمار تجربة الآخر.
[5] المتعلم ببساطة وفق نظرية إدوارد سعيد للمثقف، كما فهمتُهُ هو الشخص القارئ غير الفاعل بثقافته مع قضايا مجتمعه، ويقولُ البعضُ أنّ السلطة الأمنية في عُمان تُريدُ "قَوْلَبَة" المتعلّم ورفعه لدرجة المثقف وِفْق قوالبها الجاهزة.

الثلاثاء، 5 أبريل، 2016

الأمر ليس سهلا كما يبدو" هينمات مع الشِعر في يومه العالمي


أَقْدمُ نصٍّ شعريّ وجدْته لي للآن يعود لسنة ١٩٩٣م، وكنتُ يومها ابن ثلاثة عشر سنة، ولكن إذا كان لا بُـدَّ من خطِّ بدايةٍ كشهر محرّم نقول بِه بدأ بداية قطعية فلا بأس باستذكار أنّ أول نص شعري نُشر لي ، كان في يوم أحدٍ من سنة ١٩٩٨م، في صفحة القرّاء بصحيفة الوطن، للآن لا أعرفُ مَن أرسل النص الشعري ، لكن هاجسي يقول لي إنه أبي الذي كان يحب المراسلات ، وأنه هو من وضع الرسالة في صندوق البريد ، مع العلم أن النص نفسه بعد يومٍ واحد نُشر في ملحق عمان الثقافي الذي كان يُشرف عليه الأستاذ الشاعر سعيد النعماني ، وما تلا ذلك من حكاية ظريفةٍ بيني وبينه حين رآني لأول مرة، إذن قرابة عقدين - وهي المسافة الزمنية التي رضيتُ بها كخط بداية مع الشِعر - تقِفُ بي بعد الطموحِ والعرامة على نصل السؤال، و(تُمرمِطُ) بي في أمواج الحيرة والقلق وعدم الرضا، وكثير من اللامبالاة واللاوفاء لهذا الشعر الأقرب لي مني، فما عُدْتُ أسأل ماذا أُريدُ منه وماذا يُعطيني، خلعتُ فكرة الخلود الكلكامشية به، وطأْطأْتُ هامة الطموحات، وأرخيتُ وتر الأغنيات والأمنيات، فكأنما قبل الغَورِ في التراب، انتثرنا في الرماد. ( حتى أنت يا بروتوس/ الشعر).
الشِعر في داخلي كائنٌ "تِنينيّ" يطرحُ أسئلته المزمنة، عن هويته (سيرورته وصيرورته) ، عن جدواه، حين يُمسكه العقل كلوغارتيمات لا أجدُ له حلًّا ، وحين يستريح في حُريّته ويطير محلّقًا في خرافته لا أجدني أستطيع الإمساك به ، وأحسه متجبرا متكبرًا على الوضوح والشفافية، الشعر هو ابْنُ السماء الذي رماني بقلقِ عدم الرضا، يلعبُ بي كطائرة ورقية بين يدي الأطفال، ومع ذلك فهذا الوحيد الجاذبي لِعمق وحدته هو العباءةُ الكونية التي ألفُّ داخلها مجرّاتٍ إنسانية ووطنيّةٍ و ذاتية، وهو مالئي بهواء الأنا ، الراسمي في المرايا المحدّبة، الرافعُ دويّ اسمي كالأذان، الراسمي بألوانه في صفحة الوجود، ربما أنا جسدٌ آيلّ لرماد النسيان لولاه. تخيّلْ أنْ يكون وطنك وأُبّهتُكَ وحِرفتُك الكلام، باختصار أنّ هويتك وكينونتك ووجودكَ قد تكون هشّة، يا إلهي إنني من طينة المغامرين المقامرين بحيواتهم، ومع هذه الهشاشة التي تجدها ، فإنّ هناكَ (ربما كائن ملموس) مَنْ قد يستشعرها قوةً مضادة ، وعليه تتعرض للسحق والمحق، وكُلُّ هذا في حقيقة الأمر قد تكون لحظات بطولة فارغة في دراما الحياة ومسرحياتها، كالأطفال شاهدوا الرسوم المتحركة ، ثم نفخوا بالوناتهم الصغيرة ليطيروا بها.
هل الشِعرُ هو شجرة الخلود يا كلكامش؟ بل ماذا يُجديني الخلود ، إذا لم يُقبَل دعاء ( رحمه الله)، وَلَمْ يُطعمْني هذا الشِعرُ رغيف خبزةٍ في قبري؟ هنا أتمرّد على ڤانتازيا الشعر، وأنحاز إلى صلادة التفكير والفكرة، فلا يُعجبني أنْ أتقمص الأساطير ، بل أنحاز إلى (طوبية التجار - على حسب فهمي وتذكري لابن بطوطة) ، فالواقعية والانتفاع بقدر الممكن من هذه الهشاشة بعبثيّتها، خَيْرٌ لي من ( وتركك في الدنيا دويًّا ) لآخر ما انحاز له وشاءه أحمد بن الحسين الجعفي (المتنبي) ، أستطيع الاقتناع أنّ (واقعيّة التجار) أجدى ، بل قد تتواءم في مسربٍ ما مع ڤنتازيا الشِعر، فبِقليلٍ مِنْ "الطبطبةِ " على قلق أمواجِ البحر قد نصل إلى (سلامٍ بارد) ، تتعايشُ فيه الكتابة بِرُشدٍ وانتفاع ، مع يقيني المطلق أن (وتركك في الدنيا دويًا ) تحتاجُ إلى جعل (روحيَ في راحتي * وأُلقي بها في مهاوي الردى). ألا يريد منّا هذا الشعر أنْ ننصاع لمشيئته ونشكره على قطراتِ مننه، بله نزهو بها، ننصاعُ كما نُجرجر التيوس للهَدْي، لكنه لماذا لا يهِبُنا الانصياع، لماذا لا يلين كحديد داوود؟ لماذا لا يمتلئ بالكمال ككلام الله؟ أريدُ أنْ يوحى لي بأَخْلَدِهِ من أعلى سماواته عن الأوطان الموبوءة بعنجهية الدكتاتورية وعنجهية الساسة، عن عمَّال النظافة، عن العانس التي تنتظر عريسًا هرِمًا قبل القبر، عن الذين ذهبوا للقبر وماذا يقولون في البرزخ، عن هاجس الإنسان البسيط المنحشر في حياته، عن خاطرِ حجر في البرية وخالج برعم في أعالي الشجر، إن استحواذه علينا وكأننا مُلكية خاصة له، استحواذه على قلقنا ، هاجسنا حُلمنا، فِعلِنا ومعنانا ، وصلافته - كرأي خاص بي- لا يجعلني أرضى بالوفاء له، فربما لو كنتُ بائع فجل في سوق الموالح، أو سائق تاكسي يعيش حياته ولا يشذّب لحيته ، غير واعٍ جدًّا ، ولا عاقلٍ لدرجة الحكمة ، ربما كان خيرًا لي من الوقوع في مأزق الشِعر.

ليتني كنتُ كسلطان الشيباني حُرًا يُنقّب المخطوطات، أو كخميس العدويّ يُنافحُ صوابه وخطأه في الرواية، أو ما أحلاني لو كنتُ محاضرًا أكاديميًا كأحمد المعيني، لقد اكتشفتُ أني لا أحبّ كوني شاعرًا

الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

الربيع العربي، وتأريخية الاِستعمار الجديد


لَمْ يأتِ في التاريخ البشريّ كونَهُ أيّ استعمارٍ بمحضِ الصُدْفَة، أو بغير ثقافةٍ "ساديّةٍ"، الاستعمار بكلّ أشكاله يمرُّ بِأيدلوجيّاتِ استعمارية، وقد كشفتْ الأيامُ والحقائقُ أنّه لم يوجد في التاريخِ أيّ استعمارٍ سلميّ، وإذا كانتِ الأديانُ التي تُسمِّي نشر معتقداتِها بمصطلح (فتوحاتِها أو عملياتِ تبشيرِها) اضطرَتْ كما تزعم للحرب، فكيفَ بالقوَةِ الساديّةِ التي راودها حُلْمُ وضع القمر في شباكِها.
يُعرِّف "جورج ليسكا" الاستعمار ببساطةٍ "هو نظام التفوق، التسلط، السيطرة" ولا يختلف "مورجانثو" عنه حين يقولُ إنّ "الاستعمار لا يخرجُ في حقيقتِهِ عن كونه أحد مظاهر التسلط السياسي أو الاقتصادي أو العسكري أو الثقافي أو الحضاري الذي تمارسُهُ دولَةٌ على غيرها، وغالبا ما يكون الهدفُ منه الاستغلال الاقتصادي للدولة المُستعمَرة، وتسخير إمكانياتِها الطبيعية ومواردِها البشرية لرفع مستوى الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للدولة ذات النفوذ الاستعماري" نظريًا تستطيعُ العينُ المجردة أنّ ترى هذا التعريف بدأ بالانزياحِ تدريجيًا في مآل المنفعة وبتركيزٍ أكبر لِآليات الاستعمار، وتجلّى هذا في استعمار القرنِ الحادي والعشرين الذي يُجمع المفكرون السياسيون أن له غايتين مهمتين دون غيرهما هما تشكيل خارطة الشرق الأوسط الجديد، وعملية (تبشير مسيحية أو تهويد) -وهذا ما حدث ما بعض النازحين من بلدانهم لأوروبّا بسبب الحروب الناتجة من الربيع العربي- ، وبهاتين الغايتين تتكون المنافع الاستعمارية الباقية، وقد بدأت تذهبُ براميلُ نفطِهِ، ومبيعاتُ أسلحته إلى جيوبِ (عُصْبَةٍ) تُديرُ الحرب الاستعمارية الجديدة، وبآليَةٍ عاريَةٍ أكثر، لكن بوسائل ضغطٍ وتخديرٍ أقوى.
تُشتهرُ الوسيلةُ العسكرية أنها أبرزُ وأعتى وكذلك أضعفُ و(أبلَهُ) وسائل القوى الاستعمارية، فهي تضرب بِيَدٍ مِنْ موت، لكنها في الحينِ نفسِهِ لا تملكُ وسائل الملهاة أمام خيار الكبْس، مما يُثيرُ الشعوبَ بسرعةٍ ضدّها لأنّ الضغط يولّدُ الانفجار، وهي قد تُشكّل الزناد والفوهةَ للاستعمار، إنما "مخزنُ الرصاص" هو الاستعمار الاقتصادي، الذي كان أشهر أقنعتِهِ في الحفلات التنكرية هو "استعمار الدولار"، كما أنّ هناك الاستعمار الخفيّ كتنصيب حاكم وفق تفصيلات الغرب، بعد أنْ تربّى في مزرعته، لكن ما بدأنا نشاهِدُهُ ببجاحَةٍ وفجاجَة هو صراعُ الثيران الأخوة، كما تحكي الطرفة العربية القديمة، فالثوران الأحمر والأبيض يأكلان الأسود، من ثم سيصرخُ أحدُهما (أُكِلْتُ يوم أُكل الثورُ الأسود).
ليس من باب الإيمان بنظرية المُؤامرة حين يطرحُ السؤالُ نفسه: ما هي قوة الدهاء الفذّة التي امتلكها إسرائيلُ والعقلُ الغربيّ "عمومًا" كي يُدوِّخوا بوصلتنا ويُخدّروا نباهتنا، شرّ البليةِ ما يُميتُ لا ما يُضحكُ إذا تذكّرنا أنّ بعض الأفلام الهوليودية منذ فترة التسعينات، وبداية الألفية كانت تتحدثُ عن خطةِ تقسيم المنطقة العربية، في تلك الأفلام كانوا يذكرون "سايس بيكو الجديدة" ، ثم بعد فترة جاءنا مصطلح "الفوضى الخلّاقة" من فمِ رامسفيلد وزير خارجية جورج بوش الاِبن، لتُتِمّ خليفته "كونداليزا رايس" إخبارنا ب"الشرقِ الأوسط الجديد" لكننا في غفلةٍ سامدون.
يبدو أنّ ما يُعرَف بالربيع العربي كان ضمن الاِستراتيجيات الاستعمارية الغربية للمنطقة، وهنا لا أُفرّق بين أنظمةِ الحُكم والشعوب، ما دام الأمر استراتيجية استعمارية تُضافُ لما انكشف مِنَ الاستراتيجيات السابقة مثل ( ثورات التحرير العربية،"التي سُرِقتْ" ، والحروب الباردة التي بسببها تكتلت الدول، وانطلتْ عليها بعد ذلك الانحياز وعدم الانحياز) وكلُّ هذا كان كحركة الماء في الدلو، لا تتعداهُ بين الخوفِ وبين تسكين انتفاضة المذبوح، لِتُحقِّقَ تلك الدُولُ المستعمَرَةُ "فكريًا" مصالح الدول المُستَعْمِرة، والآن بعد قرْنٍ كامل ونيفٍ ربّما نستطيعُ التأكيد أنّ الاحتلالَ الفكريّ لَمْ يُبارِحْ جماجِمَنا.
        العقلية الغربية صبورةٌ في التجريب، تتجردُ مِنْ حصْر الدولةِ والحُكْمِ في فرْدٍ أو نظام فرْدٍ فقط، وبالطبع هذا الكلامُ لا يُبيِّضُ ساحتها، إنما القصد أنّ "علي بابا" يأخذُ نصيبه، ليتداولُ أحدُ الأربعين لصًّا مكان علي بابا، المهم أنْ يُتِمَّ اللصوص  دورَ "رُوْبِنْ هود" في عباءة الصعلوك العربي، في حرْبِهِ لأجلِ لقمةِ الفقراء، أضِفْ للقمَةِ هنا الدفاع لراية الحرّية والعدالة للشعوب المهضومَة الحقوق، إنما بتفصيلٍ منْ "زرَق ورقْ" أيْ بُهْرُجٍ خدّاع، ولأن العقل الغربي صبور فهو يُمارِسُ بِعُرْيٍ فجٍّ تجارِبَه الحداثيثة في احتلالِ الشعوب، فمنذ (Operation Northwoods) في ستينات القرن الماضي التي بسببها أُحتلّت كوبا، مرورًا على (Stay Behind) لِمُكافحة النفوذ الشيوعي، والتي لحقها كذلك ما عُرف ب"استراتيجية الاِضطراب" التي خلقت التوتر والعنف لأجل ضرب المعسكرات اليسارية بالحُكْم العسكري، جاءت ما يُعرفُ ب"الفوضى الخلّاقة" وهي تُطبِّقُ سياسة "الراية الخادعة" هذه السياسة التي نعيشها نحنُ الآن بكل أبعادِها وتجلياتها.
السكّين التي تُقطّع كعكنا الحجري الآن هي سكين "برنارد لويس" الذي قدّم فكرة تفكيك الشرق الأوسط، وقدّمه للرئيس الأمريكي كارتر عام 1983م ووافقوا عليه في "ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية الخارجية" ، ولنُركّز لطفا على كلمة الاستراتيجية، ومنذ ذلك الحين خُططت ليكون فوّهاتُ بنادِقنا فوق صدورِنا، لكن البنادق ليست مِنْ صُنْعِنا، نحن الآن نتحارَبُ على اللاشيء، على مذهبيّةٍ غير موجودَةٍ في ديننا أصلًا، فكانت الرايةُ السوداء، وكان التشويهُ في التفكير الذي قاد للتكفير، وكلّ هذا تحت راياتٍ مُخادِعة، وكان الإعلامُ هو الهواءُ الذي خفقَ بتلك الرايات، ولأنّ الغرب كما أسلفنا ذو استراتيجياتٍ طويلة المدى، فإنّ نظريّاتهم يُتاحُ لها من التخمّر والصُنْعِ مساحةً ومسافةً للانقضاض في الوقت المناسب على أهدافها، وهنا أستشهد بما قاله الكاتب سليم مطر في كتابه "أخطر أسرار الاستراتيجية الأمريكية في العراق والشرق الأوسط" من مذكرات الرئيس الأمريكي ريغان قوله ( إنّ فشلنا بحرب فيتنام كان بسبب الإعلام، لذلك فقد دخلنا بقوة بإستخدام وسائل الإعلام في التأثير الحاسم على الحكومات والتحكم بمواقف الشعوب) إنما تُوِّهَتْ عدسةُ الإعلام ومكبّر صوته بعد الربيع العربي، فمذ كان في بداية الألفية هو الدافق الأول لقضية فلسطين، أُنْسِيْنَا بمشاهداته (التحريضية وقد لا يشعر) أخبار إسرائيل في فلسطين، لأنّ أخبار ما بعد "الربيع العربي" هي التي صارتْ تتصدّر نشراته.
هذه الأحداث تحتاجُ لتأمل، "أحداث ما بعد الربيع العربي.. مَنْ صنعها ويُحرّكها؟ التفكير الجماعي للشعوب والانزلاق في أتون ومستنقع الطائفية من يؤججهُ وكيف؟ الاِعلام كيف اجتُذِبَ فصار محرِّضًا علينا لا لقضايانا؟ أين هي استراتيجياتنا القومية لنعودَ كأمّة واحدةٍ إلى مشتركاتنا التي تجمعُنا وليس إلى ما يُفرّقنا؟


الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

حين نهدر الماء .. إلى د. ضياء خضير

Share Button
في محيط عملي الذي قدّره الله لي لُقمَةَ عيْش، أخذْتُ خِبْرَةَ وافدٍ مُقتَدِر، مع خبرات عمانيين آخرين ترك الآن معظمُهم العمل، وحين تركَ ذلك (الخبرةُ) موضعه، لم تكن الفطنة قد تخمّرت بَعْدُ للاِستفادَةَ منه أعظم استفادة، وهذه الحادثة يُقاطِعها منشورٌ في «الفيس بوك» كتبتْه طبيبةٌ عمانية عن طبيب وافد، إضافة لمعايشتي لمصمم فنّي في إحدى الصُحف المحلية المرموقة، والعِلّة هو التقدم في السن، ويحتشدُ كلّ هذا مع تغريدة لمنتصر الحراصي يذكر فيها أستاذه «ضياء خضيّر» الذي ترك أو تركه مقرُّ عمله لعلّة السنّ أيضًا، قائلا: «ضياء خضير له ثلاثة مؤلفات لعُمان، وهو مَنْ أسس قسم اللغة العربية في الجامعة، الأكاديمي كلّما تخمّر أو تخلل في العمل الأكاديمي كان عطاؤه أكثر إلّا ما ندر»، بينما في زيارة قصيرةٍ للنمسا، علمتُ أنّ سن التقاعد الاختياري هناك هو الخامسة والستون، لا يعني كلامي أعلاهُ نقدًا على نظام العمل، بقدْر ما أتحسّر أننا نخسرُ ثرواتٍ بطريقةٍ دراماتيكية.
حينَ أخبرني د. ضياء خضيّر أنه غادر السلطنة للعمل في بيروت بعد انتهاء عقد عمله، اِنْبَهَتُّ طويلا في تأمّل يُغوِّرُهُ الحُزْن، بين ناقِدٍ طوّعه الحُب ليكتَب عن الأدب العُماني – مع افتقار المشهد النقدي العُماني للكتابات النقدية الجادة كالتي أسهم بها د. ضياء ـ وبين قولِهِ غادرتُ لانتهاء عقدِ العمل، يا إلهي، هناك من يربُطُهم بناظر عيوننا عقودٌ ورقيةُ قد تُقصيهم عن النواظِر، رغم أنّ «المخابرة» بيني وبين د. ضياء كانت برسالةٍ نصيّة على «الواتس أب» إلّا أنني استشعرتُ بحرارة حُرقةٍ دفينة في قلبِهِ، قد يتأولها الشاعر، إنما لا يشفعُ فيها عقدُ العمل، حينها تمنّيتُ لو أني التقيتُ ولو لمرّةٍ واحدة بالناقد الكبير الذي كتبَ عني.
أتأملُ في التاريخ سِيرَ كثير من العلماء الذين استوطنوا أرضًا عمروها بالعِلْمِ والإخلاصِ في نشْرِهِ، ثم لأمرٍ ما تركوا تلك (الأوطان المستَوطَنة والمستَوْطِنَة) بقلوبٍ خفقت كمدا، ثم تحدّثَ الزمنُ أنّ كراسِيَّهم واسطوانات المساجِدِ وحِلَقُ التعليم لَمْ يملأها مِنْ بَعْدِهم ولو جسدٌ له خوار، ولا أعرفُ لماذا أحسستُ بالأسى حين قرأتُ لضياء خضيّر حوارًا في مواقع الإنترنت يقولُ فيه (أتمنى قبرًا في العراق لا تقلقني فيه أصوات الانفجارات)، عجِلَتْ بُهراتي بتمتماتٍ صادقةٍ (أطال الله في عمركَ أستاذي).
د. ضياء خضيّر من القليلين الذين يتعدّون العمل الوظيقي إلى التنقيب في ثقافة البلد، ويخطّون لأنفسهم منجزًا حيًّا في ذاكرته، وذلك ما لا يفعله النقّاد العمانيون لو عتبنا على غير العمانيين، فقد أثرى د. ضياء خضيّر الساحة النقدية والمكتبات العمانية بمراجع من مؤلفاته مثل «المقامات العمانية من ابن دريد حتى عبد الله الخليلي»، تحقيق ودراسة، بالاشتراك مع د. كامل العتوم إبّان عملهما في جامعة صحار، وكذلك «وردة الشعر وخنجر الأجداد- دراسة في الشعر العماني الحديث»، و«القلعة الثانية – دراسة نقدية في القصة العمانية» إضافة لكتابه الأخير «الأبيض والأسود في السرد العُماني ونقدِهِ»، ولم  تظهر هذه الكتب فيما يشبه تجميع مقالات، أو لأن أحدًا طلبها من د. خضير في قراءة نقدية، بل ظهرت بأسلوب علمي رصين يبينُ عن ملَكَة فذّة وعلم راسخ، وحُبّ لِعُمان وللأدب العماني أشدّ رسوخًا.
في رأيي الخاص عن الشِعر في السلطنة، أنا على يقينٍ تامٍّ أنه سماءٌ لا سماءَ بعدها، إنما هي سماءٌ مُكَوَّرَةٌ أومتكوِّرَةٌ في جغرافيتها الضيقة، وإذا التمع كوكبٌ مِنْ تلكَ السماء، فإنما تراهُ عينٌ في غير سمائهِ أكثر جلاءً مما يُعرفُ به من «سديمه» إذا صحّ التشبيه والتعبير، إنما لماذا؟ أظنُّ العلة في أسوار الجغرافيا، وفي منابر النقد التي تفتقرُ إليها في السلطنة، وحين كنتُ مشرفًا على ملحق «قافية» تأكدتْ هذه القناعة عندي بجذْرٍ راسِخٍ من تعَبٍ في استجداءِ مقالٍ نقدي عن الشعر، بينما القامة النقدية د. ضياء خضيّر يُحبّر أسفارَهُ عن أفانين الأدب في عمان ، في حين يكتفي نُقّادُنا برسائل دراساتهم ، أو مقالاتٍ حين تُطلب منهم، في معظمها تكون احتفائية أكثر منها نقدية، فسبحان الله، أما مِنْ حيلةٍ أنْ يظلّ هذا البحرُ الدفّاق والمنهل العذبُ يروي السلطنة من مناهلِهِ العذبة، والتي أنا على قناعةٍ تامّة أننا محتاجون لها ، ولا يسدُّ أحدٌ نقصه، وعسى أنْ تكون هذه القناعةُ مخطِئة.

الجمعة، 11 ديسمبر، 2015

رسالة إلى عوض بن حاسوم، ومَنْ سيليه "التاريخ السائب يُعلّم السرقة"

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي عوض بن حاسوم الدرمكي

وكل من ارتكب أو سيرتكب حماقة الكذب على التاريخ (كما يبدو لي) ، صدقني يا أخي العزيز
أنك كنت في غنّى عن الهربِ من شخصٍ جاءك على "تويتر" يقولُ لك نعقدُ مؤتمرًا تاريخيا يُحاضر فيه تاريخيون محايدون، فتأخذون حقكم من التاريخ، ونحتفظ بحقنا، ونظلّ كما هو قدَرنا ، أهلًا وأحبة، مع العِلْم أني لَمْ أنسَ جرائرَكم، لكنها – ودعني أقولُ لك بصراحة- هو رضا المضطرّْ، فأين المفرُّ من القبول بالرضا إذا كنّا أهلا وعائلةً واحدة، وأنتَ قبيلتُكَ تقولُ لي أنّ أجدادك وأهلكَ في عمان، أم تكابر أيضا وستتنطع كما تنطعت في مقالتِكَ وستقول أنّ الدرامكة كانوا في (ساحل عمان المتصالح "على اعتبار التاريخ" ثم نزحوا لعمان) ، و واللهِ كنتُ سأقولُ لك ضع شروطك للحوار ، ولا أريد بعده إلّا تأسيس محكمة، فيُعاقَب بعد الاتفاق كل مَنْ يعتدي على تاريخ الآخر، وهكذا يكون لا لك ولا عليك.
أخي عوض..
هل تعلمُ أنك كنت في غنى عن الاستشهاد بالتاريخ، وهذه رسالة إلى (الإمارات الحبيبة) ، ما حاجتكِ للتاريخ إذا كنتِ ترين نفسكِ الآن في مقدمة صنّاع الحضارة، هذا سيصنعُ لكِ تاريخا، أما التاريخ (الغابر) فاقرأيه كما تقرأين (ألهكم التكاثر حتى زُرتم المقابر) .
الأمر الثاني يا سيدي، أنا لا أعتبُ عليكم في سرقة التاريخ، العيب ليس منكم ولا فيكم، فلا شجر ينبتُ في الهواء، وبالمناسبة أنتم (كإمارات) قدّمتم دورًا حقيقيًا في الحفاظ على تاريخ عمان، والدليل على ذلك مركز جمعة الماجد، وقبله مؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور القاسمي حاكم الشارقة، المهم يا سيدي أنا لا أعتبُ عليكم البتة، بل العتب علينا، فتعالوا تفضلوا واسرقونا، فالتاريخ السائب، يُعلّم السرقة.
أخي عوض..
لستُ هنا في معرض التثاقف والمباهلة التاريخية، لأنك ببساطة هربتَ مِنْ يدٍ شاءت لك الحوار، كما أنه بدأ يتلبسّني قناعةٌ أنّ إسرائيل ولو استطاعتْ تأكيد أنها هي التي بنتْ الإهرامات ، أو.... فإنّ التاريخ سيُشرق ليقولَ لها (أنتِ لقيطة)، وكأن الحقيقة تومئُ للتاريخ (إنّ للبيت ربّا يحيمه) .
أخي عوض..
أتعلمُ أنّ علم الشخصية تطور، وأصبح يكشفُ الإنسان من اختلاجةِ عينه، فمرّة أخرى يا أخي الكريم، حين تكتب مقالا، حاول أنْ لا تتشنج، وأنْ لا تُكرر لفظًا معيّنا، لأنه في الأصل انعكاس لحالتك، وللعلم أنت في قرارة نفسك كنت موقنًا أنك كاذب، (والله عليمٌ بذات الصدور).
سيدي الكريم..
أدعوا كل مَنْ يحاول أنْ يسرق تاريخيا عمانيا أنْ يفعل، فوزير وزارة التاريخ معنا ما زال يظن أنه في وزارة الخارجية، ونحن عفونا عنكم في كثير، عفونا حين تجسستم علينا، وعفونا عنكم وأنتم تستهزءون وتغلقون الحدود، وعفونا عنكم حين اعتقلتم مريضا منّا وتعسّفتم في حقكم معه، وما زلنا نعفو عنكم في أشياء لا أحبّ ذكرها هنا غيرُكَ يعلمها إنْ كنتَ لا تعلمُها، وصدّقني لو كنتُ مكان قابوسَ بن سعيد، ما ظنَنْتُني إلا وقد أعدْتُ تشكيل الخريطة، -فاحمدوا الله حمدا كثيرا أن جاركم هو السلطان قابوس- خصوصا أنّ التاريخ والوطن ليس ملك شخصٍ بعينه مهما كان قدْرُ ذلك الشخص، بل هو حقّ أمة، فتعالوا اسرقوا، وصدّقني لن يقولَ لك أحدٌ شيئا، بل ربما على النقيض مِنْ ذلك، سأجدُ أنا من سيسائلُني لأني كتبتُ هذه الرسالة.

سيدي الكريم ..
"لو كنتُ مِنْ مازنٍ لم تستبح إبلي، كما أني أقرأ عليك "إذا كنتُ مأكولا فكن خير آكلٍ" ، واعلم أنّ عمان والإمارت قدَر ومصيرٌ واحدٌ شاءه الله، هكذا قال التاريخ فتأمّل، فاحذْر مِنَ الغد حين يشطحُ بك الحماسُ، لأنّ السياسة بحرٌ مِنَ الرمالِ المتحركة، كما أنّ السياسيين "تيراكوتا" ، وما يدريك كيف تحول الأحوال، ولعلك لو استنطقتَ قلب الإماراتِ الآن لسمِعتَ نشيجها: "رحم الله الشيخ زايد" ، فقل آمين، وتأمل صدق مقالي هذا معك.

حفظ اللهُ حبيبتنا الإمارات وأهلها، وصانها، وأنعم عليها بموفور الرخاء والسلام.



الأحد، 18 أكتوبر، 2015

ملامح السياسة الشرعية في مراسلات الإمام راشد بن سعيد اليحمدي


أخرجَ لنا الباحثُ سلطان بن مبارك الشيباني سِفْرًا صغير الحجمِ عظيم الهالة والنفْعِ في فنّه، هذا السِفْرُ هو رسالتان في السياسة الشرعية، للإمام راشد بن سعيد اليحمدي الخروصي، وكانت الرسالتان كما يقول سلطان الشيباني “ضمن محتوياتِ أقدمِ مخطوطةٍ عُمانيةٍ مُكتَشَفةٍ للآن، وهي مجموعُ السِيَر والجوابات المنسوخ في جمادى الأولى سنة 531هـ” والرسالتان مضبوطتان “من نسختهما العتيقة المنسوخة قبل أكثر من تسعمئة عام من الآن”[1] مِنْ هنا يتَضحُ أهمية ونفاسة هاتين الرسالتين، أولا لِقِدَمِهما التاريخي، أي أقدم مخطوطة، وليس أقدم رسالة شرعية، كون كتاب “السير والجوابات لأئمة وعلماء عُمان” المنسوب للشيخ الكندي يحتوي على سِيَر ذات رسائل شرعية أقدم من هاتين الرسالتين، والسببُ الثاني لأهمية هذه الرسالة هو مُنشِؤها أي الإمام راشد بن سعيد اليحمدي، كونه كان إمامًا شاريًا، ويبدو أنه كان فقيهًا متمكنًا، وبليغًا مُصقَعًا.
لكنّ هاتانِ الرسالتان ليستا الوحيدتين للإمام راشد بن سعيد اليحمدي، بل إنّ الإمام نور الدين السالمي أوردَ له في التحفةِ رِسالَتَيْنِ أُخريينِ إحداهما لواليه على منح، والأخرى لواليه على صُحار، هذا ناهيك عن عقد الصُلْحِ الذي عقَدَهُ لتجاوز حادثة عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، ومع أنّ الباحث سُلطان الشيباني أرادَ أنْ ينشر هاتين الرسالتين مُستقِلّتين ضمن “ذخائر عُمان الأشتات المؤتلفات” غير أني تمنّيتُ لو أضاف رِسالتي الإمام لِواليَيْهِ على منح وصُحار ضمن هذا السِفْر المطبوع، ليكتملَ لنا جُزءٌ مِنْ أجزاءَ رسائل السياسة الشرعية لهذا الإمام خاصة، ولتكون مرجعًا وذاكرة للسياسة الشرعية التاريخية للعمانيين والمُسْلمين بصورةٍ عامة، هذه الذاكرة التي تطورتْ وبُني على أضوائِها آراءٌ فقهيةٌ جديدةٌ على الدلائل الشرعية الثابتة. ومِنْ ذلك الرأي الذي تمنيتُهُ سأحاولُ الاِلمام بهذه الرسائل للإمام راشد بن سعيد اليحمدي قراءةً توضّحُ أهم ملامحها، غير مُتَشَيِّئَةٍ أنْ تفَنّدَ أُصولَها الفقهية أو باحثةً لأسبابها التاريخية، فذلك يحتاجُ ما لا يتّسِعُ له هذا المقال، ولا أطالُهُ بعجزي وضعف فهمي.
رسائل الإمام في السياسة الشرعية:
يهتمّ الفكر السياسي الإباضي بمسؤوليات الإمام كما عرّف حقوقه، وأفردَ لذلك المساحات الواسعة في كتاباته في فن السياسة الشرعية، لذلك كان على الإمام أن يتفقد ولاته ووزراءه وسائر الموظفين عنده، فإن اطلع على خيانة من أحدهم عاقبه، وعزله، و»إذا رفع إليه المسلمون مظلمة من عامل، قبل منهم ورد عماله ورعيته إلى الحق…« وعليه »أن يعزل الوالي إذا شكته الرعية ولا يكلفهم عليه البينة: أنه قد أحدث حدثاً يستحق به العزل، ولكن يعزله ويولي غيره)[1] وهذه الرسائل الشرعية التي عُرف بها الإمام راشد بن سعيد، تكشف جانبًا مِنْ جوانب شخصيته، منها الجانب الإداريّ والإستراتيجي، فالإمامُ كان يكتبُ بعض رسائلهِ بخطّ يده لِمُختلف طبقات حكومته من ولاةٍ وقضاة وقادةٍ عسكريين، وهذا يعني اطلاعه على كلّ شوارد الأمور صغائرها وعظائمَها، وكان على معرفةٍ بكل أطراف وتفاصيل القضايا، أحداثا وشخوصًا، فيكون وجها لوجهٍ، أي “قيادة الدولة مع المسؤولين تحت إمْرَتِهِ” ، أولًا بالتوجيه الإداري المغلّف بالنصح والتوجيه أو الأمر بالحزم، فيكون هذا إذا اقتضى الأمر حُجّة ودليلا على مشروعية “العمل بالقضاء والسيف”، إضافة للترتيب الإداري الذي عمل به الإمام راشد بن سعيد، فكان يواجه بالتعامل ويوجه الخطاب لمن يستلزم معهم الخطاب الرسمي، كما هو الخطابُ مع “أبي غسان مالك بن شاذان” ، أو إنه يُخاطب واليَه لحزم الأمور، كما هو الوضع في رسالته لواليه على منح، بل إننا نجدُهُ يُصرِّحُ بالتراتبيةِ الإدارية وذلك في رسالته لأبي المعالي محمد بن قحطان بن محمد بن أبي القاسم، الذي يبدو أنه كان واليه على صُحار، فبعد المقدمة الموشّاةِ بالآيات القرآنية ذات الفحوى الوعظي للنصح والإرشاد، -وهذه صفة عامّة في معظم رسائله تنمّ عن تقوى وعِلْمِ – نجدُهُ يحثٌّهٌ على المساواة بين الرعية، وهي قيمةٌ تتكرر أيضًا عند الإمام راشد بن سعيد حتى في رسالتِهِ ومحاججته لأبي غسان مالك بن شاذان، فيقولُ لواليه على صحار: “ولا تمنع تقية أن تساوي في الحق بين وضيع الناس وشريفهم، وقويهم وضعيفهم، وبغيضهم وحبيبهم، وبعيدهم وقريبهم، وقد جعلتُ حماية صحار وما يتّصل بها من “العفة” إلى “صلّان” إليك وعوّلتُ فيها عليك، فَقُم فيها، ولَّيْتُكَ مِنْ ذلك حقّ القيام، واستفرغِ الطاقة منك بالجهد التام، وشمِّرْ فيه عن ساق الجد” ويتضحُ لديه حسُّ الترتيب الإدارية في نظام دولته في صرامته ونهيه له في تعدّي المحظور، ولو اضطرّه الظالمون لذلك فيجبُ عليه أنْ يرفع الأمر إلى (القاضي بصحار حتى يحكم عليه بما يلزمه من فعله ويعاقبه بما يستحقه على فعله، ….، وكُنْ للقاضي أبي سليمان مناصرا ومُعاونا ومُؤازرا، فقد أوجبت له ذلك عليك ما دام في حكمه عادلا، وبطاعة ربه عاملا).
أما رسالته لواليه على منح أبي محمد عبدالله بن سعيد فتدور في الفَلَكِ نفْسِهِ تقريبا، وهي التوجيه والإرشاد فيما يخصٌّ أمورَ الدولة، لكنها تتضمن توجيهًا أمنيًا حازمًا لِحِفْظِ الاقتصاد الوطني، بأنْ يأخذ بالحزم على مَنْ يدّعي أموالًا ليست له، وإنْ جاءَ بأدلّةٍ موهومةٍ “كصكوكٍ مُزوّرة ربما” بل يذهبُ فيها لشهادةِ أهل البلد، فكتب الإمام فيها “بخط يدِهِ” “سلام عليك فإني أحمد الله إليك وآمرك بطاعة الله وأوصيك وأنهاك عن معصية الله القادر عليك، وبعد هذا فإني أُعلمك -نصَرَ اللهُ الحقَّ بك- أن الأطماع قد اتسعت في أموال الناس، وجعل كلُّ مَنِ ادّعى في مالِ رجُلٍ دعوى طرَحَ يده فيه ، والوجه أن تنادي في البلدان كلُّ من يطرح يده في مالٍ في يَدِ غيرِهِ يحوزهُ ويمنعه ويدّعيه مُلْكًا له، فإنه يُعَاقب على ذلك ولا يحصل على شيء غير العقوبة، ولا تطلب عليه البيّنة العادلة، بل يرجع في ذلك إلى قول أهل البلد، فاعرف ذلك واعمل به ولا تقصر فيه حتى تنحسم مادة الطمع ويزول الظلم وينغلق هذا الباب؛ ولا تؤخر ذلك إن شاء الله”
ومن توجيهاتِهِ العسكرية التي يتضحُ فيها قوة شكيمة هذا الإمام، أنه يطلُبُ ممن مسَّتْهُ “معرّةُ الجيشِ” أنْ يصلَ له ليأخذَ حقّه له من جيش الإمام، وهنا نشدد لفتَ النظر، أنّ المُخَاطب الآخر في الرسالة بَعْد السرِيّة هم أهل الأرض التي غزاها جيشُ دولة الإمام، وذلك عملًا بقول أنه لا يُستحلُّ أموال ولا أعراض المسلمين في الحرب، فأيّ شكيمة وعدل من الإمام راشد بن سعيد أنْ يأخذَهُ زهو القوةِ، وخيلاء الانتصار عند العدل حتى لِمَنْ كان عدوه في ساحة المعركة، وهو عدل يفوق نصحه لذلك العدو قبل الغزو، فما أحلى رسالتُهُ لبعض سراياه التي قال فيها “فإن كان أحد مِنْ أهل هذه السريّةِ قد ركب جَوْرًا وفعل فعلا منكورا فأنا بريءٌ منه،…، وما بعثتُ هذه السريّة حتى نهيتُهم عن ظُلْمِ العباد وأمرتهم بطاعة رَجُل من أهل الصلاح والرشاد، فإن كانوا تجاوزا في ذلك إلى ما لا يجوز فعليهم وِزْرُ ما فعلوه وضمان ما أتلفوه على الناس وأحدثوه، ولستُ بداخل معهم في عصيان ولا مشارك لهم في ضمان؛ فإن يكن أحد يدّعي على أحد من أصحاب السريّة حقًا فَلْيَصِلْ إليّ حتى أوصله إلى ما يجب في الحَقِّ له، وليس عليّ عِلْمُ ما غاب عني، ولا إنصاف من لَمْ يَطلب الإنصاف مني، ولن تقوم الحجة على العسكر بالخط والقرطاس، وكلام من لا يلتفت إلى كلامه من الناس، ..” فاجتماع الخصوم لا بُدّ منه، لأنه “لن تقوم الحجة على العسكر بالخط والقرطاس، وكلام من لا يلتفت إلى كلامه من الناس” .
*
أمّا الرسالتان الموجّهتان لأبي غسّان مالك بن شاذان ، الذي يبدو أنّه من وجهاء قومِهِ القبليين”العسكريين”، ومن لهم نفوذ وسطوةٌ قويّة، فهما كفِلْقَتي نواة، الرسالة الأولى فحواها طلب التدخل العسكري لحسم نزاع، والرسالة الثانية كانت شفاعة منه لإطلاق سراحٍ مُعتقل اسمه “عبدالله بن محمد بن القاسم”، وهاتان الرسالتان تُظهران نفوذُ “أبي غسّان مالك بن شاذان” وإلّا ما كان الإمام ليبعث له بجوابٍ كتلك الرسائل المطولة التي تُوجد في كتاب “الرسائل والجوابات لأئمة وعلماء عُمان” والتي تكونُ عادَة في مسألة جليلةٍ، أو حدثٍ حادثٍ، أو بين علية القوم، ولولا هذه المكانة أيضًا ما كان لأبي غسّان أنْ يتجرأ ويطلُب من الإمام راشد أنْ يتدخل عسكريًا،– وربّما كان ذلك منه جسّ نبضٍ للإمام خشية أنْ يكون ضمن البغاة، وبما أنّ سيرة الإمام أكثرُها ضائعٌ وعاش تجربة تمرُّدٍ عليه، فلا أعلمُ هل كان لأبي غسّان دورٌ مِنْ بَعْدُ في التمرُّدِ أم لا، مع العلم أنّنا لَمْ نجد مِنْ أبي غسّان ما يدلُّ أنه طلب منه معونة بالسلاح أو مددًا بأيّ شيء، مع تذكّر أنّ قوات الإمامة العسكرية في تلك الفترة كانت مكونة في معظمها من القوة القبلية العسكرية.

رابط المقال في صحيفة الوطن العمانية : http://alwatan.com/details/81339