الخميس، 15 سبتمبر، 2016

إكسير كلكامش

إكسير كلكامش
على اعتبار الخلودِ ، أقول: |قال أو يقولُ| عليّ بن الجهم ( وما أنا ممن سار بالشِعر ذكرُهُ * ولكن أشعاري يُسيّرُها ذكري) ، إنها المبُايَنَةُ "الصعبَةُ ربما" التي طرحها الشاعرُ في سِرِّه، هل سيخلُدُ شِعري بشِعري، هل سيخلدُ صيتي بِشِعري، أم إنّ أنفاس هذا الشِعر كأنفاسي؟ علي بن الجهم طرح المكيالين على دَفّتي الميزان، "أشعاري يُسيّرها ذكري" أم "ذِكري يُسيّرُهُ شِعري" ، هذه الأسئلة القلِقَةِ القدَريّة في قدَر الشاعر والفنّان، المُستَفّزَةُ في حياته، المُكَهْرِبة هدوءَهُ ، لا تقبل هذه الأسئلةُ أنْ تُسأَلَ لماذا؟ لأنّ الجواب البدهي أنّ الشاعر نصفَ نبيّ، فإنْ لم يستطِع احتمال حمولاتِ تلك النبوءةِ فالموتُ عاجزًا في كتاب الأنبياء يكونُ استحقاقا له، وإنْ حملَها بأعصابِهِ المُستَفَزّة، ومنقادًا لِحالة اللاوعي في حياته فسيكونُ تلبّسَتْهُ الذاتُ الشاعرةُ وإنْ لم تهبْهُ الِشِعْرَ بَقَدْرِ العطاء، إنّه قَدرُ الشاعر الغريب، وإنه كلكامشُ المُيت تعبًا وراء عشبةِ وإكسير الخلود.
خلود الشاعر والشِعر لا يكونان بالشعر فقط، الشعر مظلومٌ وظالِم، ففي زماننا هذا ونحن نرى شعراء شِعرهم أشبه بالنهيق أكرمكم الله، وقد أفسحتْ "أجهزة الإعلام" لهم منصات المنابر والمحاريب، وهذا يحيلنا تلقائيا إلى الظُلم والفُرَص التي كانت لبعض الشعراء في العهودِ السابقة، فبالطبع هناك شعراء مظلومون جدًا، ولا أستبعدُ أن هنالك من هو أفضل وأسمقُ مِنَ المتنبي، وإنما مات شِعره كما مات من هو أكرمُ مِنْ حاتم الطائي ولم يعرفه أحد، كما أني على يقين أن ثمة شاعرًا ملكًا أليق بالمُلْكِ الشِعري من غيره، كما أنّ أحدًا من عامة الناس قد يكون أليق مِنْ (أباطرةِ) هذا الزمان، إنما وجود المتنبي في عمق الدائرة السياسية قرب سيف الدولة الحمداني، بسماواتِ شِعره العالية كتبَ لهُ الخلود والصيت المدويّ سرمديا، وقد كان يجتمع بباب سيف الدولة الحمداني مئات الشعراء الراغبين في تقبيل يدِهِ، لكن أجمعهم لم يكونوا كالمتنبي في سماواتِ شِعره العلية أمام سيف الدولة الحمداني، إنها الظروف السياسية التي صهرت المتنبي، والتي أخرجَ لنا منها ذهبًا لا يمسُّه الصدأ إلى يوم الدِّين.
حالة الخلود التي يُلحّ الأديب أو الفنان في طلبِها قد لا تخلُدُ بأدبه أو فنّه فقط، بل بعوامل عديدة منها مواقفه السياسية والاجتماعية "الحياتية" التي يكون لها أثرٌ مهمُّ وكبير حتى على نِتاجهِ،
وقد يكون هذا الموقفُ السياسي والحياتي أقوى أثرًا في خلود الشاعر حتى من شِعرِهِ، كما قد يكون لا أثرَ له إنْ كان الأثر الفنّي أو الأدبي للفنان أو الأديب نمطيًا لا جِدَّة فيها، وأكادُ أنْ أقولَ يقينًا أنّ تخليق "الباناكيا" الشِعرية، كما يقولُ "الخيميائيون[1]" أي إكسير الحياة، تأتي التوفيق والقدرة على مزجِ (المعاناة الحياتية والاِجتماعية) للأديب والفنان، في قالب الأدب والفن الساحر، وإنما بِجِدَّةٍ وإبدع، فتظلّ أثرًا له مِنْ بعْدِهِ، وشاهدًا لقلوب الخليقة لو مسّها ما مسّه مِنْ ضيمِ الحياةِ، فتتلبّسُهم ويتلبّسون رُوح ذلك الأديب والفنان.
هنا أستذكر أمثلةُ عساي أكونُ مصيبًا فيها، مع تقديري لعوامل "التاريخ" والحالة الأدبية الراهنة لكل أديب في انتسابه لمدرسته الشعرية، ومستوى فكرِهِ الشعري) ، والظروف التي كوّنت موقفه السياسي، أو ظرفه الاجتماعي الذي عاشه، وتعاكس مع عطائه الأدبي، فمثلا إنحياز الشاعر العراقي عبدالمحسن الكاظمي لحزب سعد زغلول في مصر جعله ذا صيتٍ في عهدِهِ، لكنه الآن ليس بمستوى ذلك الصيت، وموقف الشاعر الزهاوي ضد السلطات العثمانية ودفاعه عن المرأة فتعرّضه للسجن والنفي ساعدَ في شيوعِ شِعرِه يومها، ولكن صيته خفَتَ الآن، شأنه كشأن الشاعر معروف الرصافي في مجاهرته برفض الاحتلال الإنجليزي وعلوّ الصيت ثم خفوته، والشاعر الجزائري مفدي زكريا الذي وقف ضد الاحتلال الفرنسي من الجزائر، وكتب الإلياذة الجزائرية، بل إنّ الجزائر تتغنى بشِعره نشيدًا وطنيًا لها، ومع بعض الرونق والجِدّة في شِعره، لكنه محصور الصدى اليوم، وكذلك شاعر عرار مصطفى وهبي التل، وقوة صيته الشِعريّ إبّان مواقِفه السياسية، مع قلّته الآن على مستوى الوطن العربي، وربما على مستوى الأردن التي تتعالى فيها أصوات الحداثة الشعرية بأناقة خلابة.
 وهذا الأمر نقيض الشاعر الكبير محمد الجواهري الذي مات وهو في المنفى مُعارِضا للنظم السياسية العراقية، لكنّ صيتَهُ للآن مُدَوٍّ ، لأن الجواهري أجاد في الموقفين، الموقف الحياتي والموقف الشِعري، شأنْ الشاعر أحمد شوقي الذي ذاق المنفى والمداهنة السياسية في بعض الفترات، لكن إجادتَهُ في استثمار أوضاعه السياسية واستثمارها في نصوص شِعرية رفيعة عضدتْ خلودَهَ الشِعري، ولعلّي أُصيبُ سهمًا من التوفيقِ بظنّي أنهّما استفادا ممن سبقهما في المرحلة الزمنية شعرًا وموقفا سياسيا -رغم التزامن العمري بينهم- فمثلا، استفاد الجواهري من مواقف الرصافي والزهاوي، وكذلك استفاد شوقي من الشاعر محمود سامي البارودي، الذي كانت له يدٌ سياسيّةٌ مفتولة العضلات في ثورة عُرابي وتولّيه فيها وزارة الحربية (الدفاع) ثم ترقّيه إلى رئاسة الوزراء، وظهرَ بِشِعرِهِ قائدًا لما سمّاها النقاد بمدرسة الإحياء والبعث، التي جُوبِهَتْ بمدرسة الديوان، ولكن لأنّ رواد مدرسة الديوان لم يكونوا ذا مواقف حياتية أو سياسية تعكس شعرهم وتوازيه، فلم يكن لهم دويّ، وإنْ نالوا نصيبًا مِنَ الخلود يتفاوتُ قبوله عند المتلقين لليومنا هذا.
أما أمثلة الموقف الشِعري فهناك بالطبع "أصحاب المغامرات الشِعرية" وفي مقدمتهم "الملائكة، والسياب، ودنقل، وأدونيس، وأُنسي الحاج" (مثلا) حين غامروا بركوب جموح جسد النص الشعريّ الحديث، في وجه الجبروت الكلاسيكي السائد يومها، والآن حين يقرأ شاعرٌ عبارة ( غامروا ) فقد لا يتصوّر المعاناة الحقيقية التي كابدَها ذلك المبدع مِنَ الوسط الاجتماعي والأدبي، فالمجتمع لم يكن يتقبّل إلا النص الموزون المُقفّى، الذي يبتدئُ بالغزل، بقاموسه ومعجمه المعروف، فكيف يأتي صاعقٌ فكري يُغيّرُ هذا النمط المقّدس، إنّ أول مَنْ رجم أولئك المغامرينَ كان مجايلوهم من الشعراء الكلاسيكيون الذين يبسوا في جدْبِ رؤاهم، والشِعر كالحياة لا يقبل ركود البِرَك، ولا سكون القبور.
أما أمثلة المواقف الحياتية التي خلدتْ الشاعر أكثر من قوّةِ شِعْرِهِ "وهذا لا يعني ضعف شِعرِهِ" فَمِنْ أمثلته في رأيي الشاعر فهد العسكر، والشاعر عبدالحميد الديب، لما قاسوه في حياتهم من معاناة ومكابدة، فهد العسكر الذي عاش أربعة وثلاثين عاما فقط، ولَمْ يُصلِّ في جنازته غير خمسةِ أشخاص، واتُّهِمَ في حياته بالكفر، ولذلك حرق أهلُهُ أشعاره بعد موتِهِ، وأشعارُهُ كانت رنانة متقدِّمَةً لزمنِها، لكن صوته ميِّتًا ارتفع أعلى مِنْ صوتِهِ المكبوتِ في حياته، كصوتِ عبدالحميد الديب الذي للآن أنّاتُ شِعره كأنها أوتارٌ لأورِدَةِ الفقراء لما عاشه في حياته من بؤس وحرمان، زادَها شططا حياتُهُ البوهيمية، لكن هذه الحياة الاِستثنائية عملت على تنقية صوتهم الشعري، وأسبقيته على مجايليه، وبقائه لليوم.
 في عُمان أستذكر تجربة أربعةٍ مِنَ الشعراء هما العملاق أبومسلم البهلاني، والعملاق الآخر أبي نذير محمد بن شيخان السالمي، ، والشاعر الشيخ عبدالله الطائي، والشاعر السيد هلال بن بدر البوسعيدي ، فالشعراء الثلاثة الأوائل وذكرتُ أسماءَهم وِفق قوّتهم الشعرية بمنظوري الضعيف، فقد جمعوا بين التجربة الشِعرية، والحياتية، فلهم مواقف سياسية بالهجرة والمعارضة والاتصال بالحُكّام ، فالبهلاني هاجرَ لزنجبار، وعارض نظام الحكومة البوسعيدية بمسقط، في حين أنه عاش في كنفها في زنجبار، وكان معارضًا للحكومة البوسعيدية المسقطية، مساندًا حركة الإمامة، لذلك انتشرتْ قصائدُةُ بقوّة ودوّت في عُمان، وما يزال صداها في عمان وجزء من الخليج العربي يتردد لليوم، بينما الشاعر ابن شيخان كان ذا تجربة حياتية وسياسية أقلّ عنه ، انحصرتْ في طلبه متكسّبا بشِعره في إمارات الخليج، ومداهنته السلاطين بمسقط، لكن ذلك كله كان في قالبٍ شِعريّ فخم، ضمن له بقاء صداه الشِعري، والحال عند الشاعر الطائي ينقسم لأمرين، هي المعارضة السياسية، والتجربة الحياتية، بريادةٍ حفظتْ له صدى شِعرِه أكثر من قوة شِعره [وهنا في هامشٍ صغير أُشيرُ كذلك لتجربة أبي سلام الكندي في المعارضة السياسية ، وعيْشِهِ لذلك منفيًا] لكنهما لم يستطيعا أنْ يعكسا ذلك بقوّةٍ في تجربتِهما الشِعرية، لكن الطائي انفردَ عن أبي سلام الكندي بالتجربة الحداثية بقوة أكثر في عيني حتى مِنْ الشاعر هلال بن بدر البوسعيدي الذي أعدُّهُ هو والطائيّ والشاعر المرحوم محمود الخصيبي مِنْ رواد الحداثة الرومانسية في عُمان. وتميّزتْ تجربة البوسعيدي بالطموح الفكري، فقد كان مؤيدًا لنهضة التعليم ، داعيا للتطور في عُمان ، واختلف نمط شعره عن النمط الكلاسيكي السائد يومها في عمان، كل هذا ساهم ويساهم في بقاء الاسم الشِعري لؤلاء الشعراء بدرجة تتفاوت عن مقدرة شِعرهم في فعل ذلك.





[1] هناك فرقٌ بين الخيمياء والكيمياء، يكمنُ في أنّ الخيمياء حاولتْ تعليل الظواهر برؤيةٍ وجدانية، ولعل مردّ ذلك لقلة الإمكانيات في الاشتغال على التجارب، ولذلك تُعتبر الخيمياء أصلا لعلم  الكيمياء.

الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2016

الأنثربولوجيا والميثولوجيا في عُمان


لا أعرف أنّ في عُمان أحدًا تطرّق لعلم الإنسان أو (الأنثروبولوجيا) ولا لدراسة علم الخرافات والأساطير، والتي تُعرف بِـ(الميثولوجيا) ، حالها كحال بعض العلوم التي لم يتطرق لها أحد في سلطنة عمان رغم عراقة عمان التاريخية وأهمية هذه العلوم في إيضاح ونبش الأفكار والمكونات والمكنونات الثقافية ، رغم أنّ بعض دول العالَم صارتْ للتخصص في هذي العِلْمَين

أظنني اطّلعتُ على بعض الملامح ( الإنثربولوجية) المبكّرة والتي يفترض أنْ تجد من يتمّها في عُمان، كان ذلك في كتاب ( البلاد السعيدة ) للمستكشف ( برترام توماس ) وقد ترجمه للعربية المرحوم محمد أمين عبدالله، ، حيث كتب عن بعض التفاصيل القياسية عن جسد الإنسان فقط -في جنوب الجزيرة العربية- وليس نمط معيشته ، وهو ما يُعرف ب( الأنثربرومترية) ، وجاءت تلك الكتابة لأن ( توماس) كان موظفا للحكومة البريطانية في عمان تلك الفترة ؛ وهو الأمر الذي فعله كذلك (ويندل فيلبس) في كتابه ( رحلة إلى عمان) لكن بصورة أقل عن ( توماس ) .
والإنثربولوجيا علمٌ جدّ مهم في الكشف عن أغوار الأسرار ، ليفتح لنا آفاق معرفة أصل ( الأناسيّ ) العمانيين ، جماعاتهم، هجراتهم، معائشهم، تقلباتهم أو تبلوراتهم الفكرية بقبول الأفكار الجديدة عليه ، أو إنتاجهم الذاتي لأنماط وأدوات الحياة ومعائشها، ....إلى آخره، وأتوقع أن الأرض العمانية بجغرافيتها الصعبة، وتكونها من صحراء يصعب فيها العيش بسهولة ، وجبال وعرة جدا تعتبر من أكثر جبال أراضي العرب خشونة ، إضافة لسواحل بحرٍ طويلة واقعة على المحيط الهندي وتفاعلات هذا الموقع الحضارية ، و( أشكال ) الإنسان العُماني المتمايزة لِـمَـن يُدقق النظر [ رغم فرضية امّحاء ذلك وتلاشيه بالتزاوج ] كل هذا وغيره يُغري ويؤكد ضرورة دراسة الأنثربولوجيا في عمان.
والإنثربولوجيا تتقاطع بلا شكّ في كل الحقب والحضارات مع ( الميثولوجيا ) ، فالإنسان كونه ( كتلة ) يظل محتاجًا لروحٍ تدفق داخله تكون معتَقَدَه وتؤول له بعض المظاهر ، وتربطه نفسيًّا بمعبودٍ أو بأيّ شَيْءٍ تتعلقُ به النفْس كالآلهة و"الطواطم"، والأنبياء الذين يعتقد العُماني بوجود آثار أو حكايات لهم في عمان كصالح وهود ويونس وأيوب وسليمان ، لذلك نشأتْ القصص والخرافات ( الخيالية جدًّا جدًّا ) في عُمان ، وتعددت الديانات فيها قبل الإسلام _ كما بدأتْ تدلّ بعض الدراسات والمكتشفَاتْ - ومن شواهدها مثلا القبور غريبة الشكل المتعددة والمتناثرة في عُمان ( مثلا حين أكون في منح لا أستطيع أنْ أتجاهل المقابر التي تعود لفترات سحيقة جدًّا في التاريخ ، والتي تتناثر على سفوح جبال "بو صروج" والممتدة إلى "زكيت" بولاية إزكي والتي يدلّ شكلها المتهدم أنها بُنِيت على شكل قباب كمقابر ( بات ) في ولاية عبري، وغيرها من المقابر العديدة التي تتناثر في عُمان) وعلى ذِكْر ( بو صروج) فهو دليلٌ آخر على ( الميثولوجيا ) وحمولات هذا الاسم ، الذي يندرج تحت قصص "المغاصيب أو المغايبة" ، وأظنّ أنه لو قمنا بتتبع بعض الأساطير والخرافات في السلطنة ، ولو حاولنا كشف وقراءة وتحليل بعض الرسومات الموجودة في الصخور واللُقى [بطريقة علمية ] لتكونت لدينا قاعدة بيانات جيدة، ولأسّسنا لعلم ( الميثولوجيا العُمانية ) على غرار بعض الميثولوجيات العربية والأجنبية، ولا أتوقع أنّ أرضا كعُمان صارعَ أبناؤها ظلمات البحار، وبها أكبر كهوف العالَم في أشد جبال العرب صلادة تفتقر لمكوّنات الميثولوجيا .
لقد تعدّى علم الميثولوجيا حدوده السابقة بدراسة الخرافة والأساطير أو استثمار ذلك أدبيا وفنيًّا فقط، ففُهِم بِه كيفية توجيه الإنسان مِنْ مُعتقده فينقادُ مِطواعا، وكيفية تكوين (قطيع ) يحرّكُ كما تُحرَّكُ الثعابينُ بتموّجِ صاحب المزمار، ويُروّض كما تُروّض سباع الغابة للسيرك، إنها تراكمية العِلْم واستنباط وتوالد فكرةٍ مِنْ فكرة.


التفاعل مع النص الشِعري في عمان، أسئلة عائمة.


اليوم دخلْتُ في حوارٍ صغيرٍ شائق مع الشاعر الأستاذ عبدالله الاِسماعيلي ، بدءًا فالكثيرون في الوسط الشِعري العُماني لا يعرفون هذا الاِسم، وشخصيا تعرّفتُ عليه (شاعرًأ) قبل أقل من سنة، لكن لديه نصوصا عميقة ، وفكرًا أعمق للنص الشِعري، وهنا يتقاطعُ هو مع الشاعر محمد بن علي الكندي ، وأستدركُ أمرًا ما ، فقد يكون شاعرًا ما عميقٌ في الفكر والتأمل الشِعري، لكنه لم يُؤتَ ذلك نسيجًا شِعريا ( وتلك حظوظٌ للإرادةِ قِسْمُها ، كما يقولُ مولانا أبو مسلم البهلاني ) .
الحوار الذي كان لي مع الأستاذ الشاعر عبدالله الإسماعيلي ، ذكّرني بحديثٍ لي مع الأستاذ عبدالرزاق الربيعي ، حين حلّ السلطنة، وتولّى ملحق (آفاق) الثقافي، الذي كان يصدرُ حينها من جريدة الشبيبة، وهو أنه أيام وجوده في العراق، حين كان ينشر نصًا شِعريا (ربما هو أو أيّ شاعرٍ آخر ، فإنّ الردود على النص الشعري تكون مباشرة ومتتالية) ، لذلك ظلّ ينتظرُ الردّ على نصّه المنشور، إنما فوجئ ببرودٍ غريب من المتلقي في السلطنة، في مجتمعٍ عُرِف عنه جودَة شعرائه، وتغنّيهِ بالشِعر في المجالسِ التقليدية، وتعليمهم إيّاه في الكتاتيب، وافتخاره بتاريخه الشعري، ومنجزه الشعري الحداثي، لذلك فالحديثان البعيدان -زمنًا بالطبع- مع الشاعرين الربيعي والاسماعيلي، رنّا مِنْ جديد في خَلَدي بهاجِس (تلقِّي العُماني للنص الشِعري، هل كما يوافق حُلُمَ الشاعر نفْسه ؟ وبالطبع السؤال يجرّ معه أسئلة متتالية....) ولأنّ الأمر لا يتعدى كونه هاجسًا، معضّدًا بتجارب بسيطة ودلائل (فيسبوكية) ، كما أنه يقارب ويقارن بحالات تتقاطع وتتناقضْ، فالأمرُ لن يكون حُكْمًا قاطعًا، لكن هذا لا يمنعُ مِنْ إبداءٍ رأيِ فيه ، وإنْ كان رأيًا مُرًّا وأظنه "نفسيًا" غير حيادي.
بادئ الأمر جذبني في الفيسبوك المشهد الشِعري العراقي، ولاحظتُ أنّ معظم أصدقائي مِنَ الشعراء والأدباء هم من العراق، وأكثر حتى من الوسط الشِعري العُماني، ولا عجب في ذلك ولا ضير ولا ملام ولا ولا ولا ... ، المسألة ممكنة بلغة الأرقام والواقع، لكن في الفترة الأخيرة لاحظتُ اطرادًا في المنسوب الشعري اليمني، وعائدٌ ذلك في قناعاتي بعد النافذة التي أتاحها الفيسبوك في الاطلاع على المشهد الشِعري اليمني، عائدٌ كذلك إلى الحرب المتفجرة حاليا في اليمن، وكلما نشر شاعر أو بعض الشعراء في هذين الوطنين الحبيبين نصًّا شِعريا، يكون التعاطي معه مِنْ قِبل المتلقي عاليا، [ وبالطبع هذه الصفة ليست على العموم ، فمرّةً اشتكى شاعرٌ يمنيّ على الفيسبوك من كثرة صداقاته في الفيسبوك، وقلة متابعيه لنصوصه]، كما أن شهرة بعض الشعراء "العراقيين خصوصا" ، ومعاذ الجنيدي في اليمن، شكّل رافعة له عند مُتلقّيه ( وللشهرة اسبابها العديدة ) ، هاتان الرقعتان الجغرافيتان قد لا تكونان تصلحان للمقارنة أو المقاربة مع المتلقّي الشِعري في السطنة، ومردّ ذلك عندي أنّ الشِعر كذلك آلة إعلام، وقد تكون خيوط التعاطي في هذه الآلة ليس حقيقيًا، وهو ما ألمح لي به شاعرٌ يمنيّ، أن معظم ردود الأفعال على نصوص "معاذ الجنيدي" هي مِنْ غير العارفينَ بالشِعر، وإنما "سوقة" جماهير الحوثيين، ويبدو أن هذا التأويل يؤشر لفكرة (نخبوية القصيدة) كون شِعر معاذ مباشِرٌ في غالبِهِ لكنه متأجج بالعاطفة، وبالطبع فالمتلقّي متأثّر بوضعه الراهن، فتلقّي نصٍّ شِعري يناقش خبزة المواطن، في وطنٍ غير مستقر، سيكون أقوى منْ نصٍّ شِعري "عن الليل ونجومه ومحبوبه، لم يخرج في كينونته عن تغير التموضع في لعبة المكعبات الشِعرية" .
و دسامة النص الشِعري، ونخبويته و"طبقات المتلقيين" شجَنٌ مِنْ شجونِ القصيدة، فذات مرَّةٍ كنّا في الرياض، إذْ فاجأني شاعرٌ شابّ باعتبارِهِ أنّ معظم شِعر نزار قبّاني مباشرٌ بعيدٌ عن حقيقة الشِعر، وأنّ لِكاظم الساهر يدًا  كبرى في طغيان شُهرة نزار، كما أنّه لا يعترف بأحمد مطر شاعرًا حقيقيًا، وفي عينِه كان هذا الشاعران خطباءَ منبرٍ عبقريين، -طبعا هذا مِنْ وجهة نظره- وبه يتضح الفرق في النظر للشعر والشاعر ومِنْ أيّ زاوية، فلنزار قبّاني وأحمد مطر جماهيرية عارمة في الوطن العربي، وإنْ لَمْ يراهما راءٍ أنهما ليسا في مستوى فنيّة محمود درويش مثلا.
وتبقى المسافة بين النص وثقافة وذائقة المتلقي محوريّة جدًا في التفاعل، فكيف إذا كانت "الدسامة الفنيّة لو صحّ التعبير شرطًا أساسيًا مِنْ شرط النص الشِعري، كقصيدة النثر" ، فالمتلقي العماني عادةً لا يلتفتَ لنصٍ نثري بحتْ ، لاحظتُ هذا في الفيسبوك في مقدار التعاطي مع النصوص الشِعرية للشاعر الكبير زاهر الغافري، الذي يمرُّ عليها (المثقفون العُمانيون) بـLike في معظم الأحيان، فكيف بالمتلقي مِنَ الطبقة البسيطة، وزاهر الغافري صاحب تجربة عربية كبيرة وعميقة في النص النثري، في الجهة المقابلة نجدُ شعراء الجامعة الشباب يتفاعلون مع نصوص زملائهم (والتي عادةً تكون غنائية "مقلّدة لأصواتٍ أخرى" ) ، الأمر عجيب والله، هل يعودُ ذلك للوعي أم إلى ماذا؟
عبدالله الإسماعيلي يُريدُ التأكيد على نقطة، وهي الكم مع الكيف، فيقول إنّ (مصر لو تبيع فيها تراب لربحت، فما يشكّله العدد السكّاني من زخم يرفع الحراك الثقافي لمستوى الطبقة المثقفة فلا ينظر إلى ما دونه، ...) ومِنْ فهمي المتواضع أظنه يقصد ازدياد عدد الجمهور،وفي هذه الفكرة نسبة كبيرة مِنَ الصحّة إذا رأينا أثر المسابقات الجماهيرية في ارتفاع أسهم بعض الشعراء ولو كانوا "مُطابقين لمواصفات ورغبات المسابقة" أو عبارة عن "مهرّجي مسارح" كهشام الجخ الذي لا أتردد في ضربي به مثلا، ففي مهرجان الجنادرية شاهْدتُ التقاعل العارم مع هشام الجخ، مثقابل برود مع نصوص مبدع كعدنان الصائغ.
إنقطعَ الحديث مع عبدالله الاِسماعيلي لسببٍ سؤال، وهو ( في الغالب ) هل البيئة العمانية بيئة مُنتجِة للإبداع الأدبي ليكون التلقّي لها موازيًا، إذا انْتبهنا أنّ معظم الأسماء الأدبية العمانية تشكّلت خارج عمان، كالخليل بن أحمد ، وابن دريد ، وأبو مسلم البهلاني، وسيف الرحبي، وزاهر الغافري، مع التنويه أني لم أوافق على هذه النقطة، فالستالي وابن شيخان السالمي مثلا تشكّل داخل عمان [بِغضِّ النظر عن مستوى الإبداع لا الابتداع ومراعاة الظروف الفنية] ، لكنها تبقى نقطة مهمة بالنظر، ومحاولة فهم قابلية المتلقي وتفاعله مع النص الشعري..
في الختام بدأت تترسخّ عندي قناعة ، وهي قناعة عدم طلب رضا المتلقي، ببساطة لأنّ (رضا المتلقي أو الجمهور غاية لا تُدرك ) إنما أشتغل على النص الشِعري أو الأدبي وفق مكَناتي و رؤاي وقناعاتي ، وقد يكون متلَقٍ واحدٍ خيرٌ مِنْ تصفيق جمهورٍ لشعراء منصّة إعلامية، فالشِعر للدهر، وحتى هذا المقال البسيط العابر ، قد لا أجدُ له تفاعلا ولو مِنَ الشعراء.


الجمعة، 24 يونيو، 2016

بريطانيا تخرج من الاتحاد الأوروبي ، مرايا وأسئلة





بريطانيا تخرج من الاتحاد الأوروبي ، رغم محاولات حكومة ( كاميرون ) الحثيثة عدم حدوث ذلك، ولا أعلم هل دشّنت حكومة كاميرن حربًا إعلامية وعلى السوشال ميديا لثني البريطانيين عن ذلك أم لا؟ لكن البريطانيين اتخذوا قرارهم الشجاع ، ولا أعلم هل اتهم أحد بريطانيا بشقّ عصا الطاعة أم لا ، كما اتُّهمت مسقط حين لم ترغب بالانضمام للاتحاد الخليجي [ والذي تداعى برفضه من تحت الطاولة دول خليجية أخرى بعد ذلك ] ، وهل سيكون خروج بريطانيا جرسًا لتفكيك كثير من الاتحادات الدولية والأممية الصورية أو إعادة هيكلها أم لا ، وأميل إلى أن إجابة هذا السؤال هو نعم.

هذا الحدث له ما بعده، ويؤكد أن بريطانيا التي كانت لا تغيب عنها الشمس جغرافيًا، حافظت على ضوء من الشمس في جمجمتها، وهو ضوء الحرية والديموقراطية والقرار المصيري، وَإِنْ كان ضوءًا يتراوح وهو يخبو ويضيء، 
لكني أحب المباشرة في استثمار هذا الموضوع لمناقشة بعض الأفكار:
١- بريطانيا التي تؤخذ ( ثقافتها السياسية ) إلهامًا في كثير من الدول العربية ، بها ملكة ، ورئيس وزراء ، وبرلمان ذو صلاحيات حقيقية واسعة، بالإضافة إلى (براجماتية استخباراتية) تجيد بريطانيا استخدامها كيف ومتى، هذا النظام المَرِن أنقذ بريطانيا في عدة مواقف ، ففي حين يكون الأمر مُلِحًّا خارج رغبة الشعب، تُطبخ الحسابات في المخابرات ، ويُفرض القرار ، مثاله حين قال "كاميرون" [لتذهب حقوق الإنسان للجحيم حين يتعلق الأمر ببريطانيا] وكذلك كما أُشيع أنّ أياديَ مخابراتية ماهرة لعبت بصدق الصناديق في قرار انفصال اسكوتلاند عن بريطانيا ، بينما دوَّت الطبول الإعلامية بضرورة (دمقرطة القرار البريطاني) حين تورّطت حكومة "كاميرون" بالانجرار وراء واشنطن في الرغبة بتوجيه ضربة عسكرية ضد طهران ذات تعنّت، لولا أنّ [ حاكمًا عربيًا] أخرج لندن من هذه الورطة بحيلة وجوب العودة للبرلمان 'كما تحدثت بعض الصحف' .
وعودة إلى أن بريطانيا تؤخذ ( ثقافتها السياسية ) إلهامًا في كثير من الدول العربية، لكن هذه الدول العربية لا تستطيع تطبيق هذه المهارة البريطانية في كيفية انتقاء الخيارات لتنفيذ القرارات ، والسبب في رأيي أنها دول (عرشيّة) أكثر من بريطانيا، أي أنها لا تحتوي على رئيس وزراء، والذي يقوم مقامه يكون ذَا صلاحيات مقننة جدًّا بمساحة حوض أسماك الزينة، والبرلمان بها في كثير من الأحيان مثل ( ولد الشيخ الذي مات أبوه ) وصلاحيته ( تعال تقهوى ، وتعال أوقّع لك ) ، كما أن السلطات الاستخباراتية تتحول في أحايين ما لمدرس ابتدائي ، يقرص أذن الطالب لأنه تكلم على ( مدرّس سيادي) وكأنّ المخابرات صارت للعائلة المدرسية، أو أنّ (المدرس السيادي) يُحدثه وهمُه باعتلاء أعلى المناصب ، لذلك يُقرر من الآن أن ذاته مصونة، وللتكييف القانوني في ذلك صولات وجولات.
٢- ' كاميرون ' يُعلن استقالته بكلّ أريحية ، رغم أن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي كان قرارا باستفتاء ، وفشل حكومة كاميرون فيه قد يكون نجاحا له، حيث أنه يستطيع القول [ أيها السادة ، كنتُ بصفتي الشخصية والحكومية أتمنى عدم انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ، ولكنني مع ذلك أحييكم وأحترم قراركم، وسأنصاع له وأعمل صادقًا وبجهد لأن تظل بريطانيا هي بريطانيا ] والحكومات قادرة على سلب الجماهير من أمخاخها ، ويظل كاميرون في منصبه ، لكن الرجل قال عن نفسه فيما معناه [ أنا لستُ رجل المرحلة ] ، وهذا تعبير وقرارٌ مهم وشجاع وصادق ، يُجدد الدماء في الدول ، ويوفر الخبرات ، بينما نحن في الدول التي تأخذ من بريطانيا ( ثقافتها السياسية ) إلهامًا ، صدق فيهم أنه في الكرسي مثل ( الحمّام العربي "أكرمكم الله") نحتاج (للبلدوزر) لاقتلاعه من منصبه ، وقد يكون هذا البلدوزر حربا طاحنة ، ناهيك أن هذا ( الحمّام العربي ) يكون كالدم المتجلط الذي تتجلط بِه تنمية الدولة، فلا تجديد إلا كقاطور الجحلة، ولا خبرة إِلَّا خبرة كيف يجيد الاحتيال في نهب ثروات البلد (بطرق مشرعنة) .
٣- مثل هذه القرارات المصيرية التي يُمضى فيها قرار الشعوب [وهذا لا يعني تصديقي لطهارة الديموقراطية الأوروبية ] لكن هذه القرارات تعيد روح الحياة للشعوب ، فتستشعر في نفسها أنها لأوطانها وأوطانها لها ، فلا يُطلب منها أنْ تكون لاقطة فضلات أصحاب الكراسي الدائرية المتوارثة، أو دافعة ضرائب فقط، أو شمّاعات وجنود مجهولين في الحروب ، بينما الساسة والقواد في الفنادق الضخمة، هذه القرارات لا تُحسّس الشعوب أنهم (أغنام في حضيرة الراعي)، كما أنها توفّر منجمًا تاريخيا للأجيال القادمة على قوة الشخصية الوطنية، فرحى الأيام تدور، والتاريخ والفكر جمْر الشعوب وبراكينها، وحين تستذكر الشعوب أنّ أجدادها قرروا كذا وكذا، تنهض همَّتها لتقرير مصيرها وحماية وطنها.
٤- من النقطة الأخيرة ، هذه الآلية ( الاستفتاء الوطني الصادق ، والترجل عن المنصب لصالح المرحلة الوطنية ) وكذلك هذه القرارات تقوّي الشخصية الوطنية ، فَلَو حاولت {{ أرَضةٌ }} أنْ تجد ثغرةً في جسد الوطن ، تجد أنّ الوطن محصّنٌ بقوّته الداخلية وليس مُعلّقا بمشجب أشخاص ، بل لن يقعد الوطن ينوح على صورة (الشيبة المعلقة في جدار المجلس ) كونه كان سمط العائلة ، والربّ الأوحد لقراراتها، ناهيك أنّ هذا الترجل يدمغ وبقوة فكرة ( عقمتْ النساء أنْ تلد مثل فلان)

شخصيا عملتُ مع بريطانيين في مجال عملي ، وظهروا لي أنهم منصفون، وأخبرني كذلك أبي عنهم، ومع ذلك فأنا لا أرتاح لهم نفسيا ، ولكن تحية لما ظهر منهم من شجاعة وحرية في اختيار قراراتهم المصيرية ، تحية للملكة ولكاميرون وللحكومة في بريطانيا، وتحية كبرى للشعب البريطاني.

السبت، 28 مايو، 2016

"يوتوبيا" التشابك والاِشتباك

* تنويه متعَمّد: رُفض نشر هذا المقال في كبار الصحف الورقية والاِلكترونية في السلطنة، لأسباب مختلفة، وهذه الأسباب في حدّ ذاتها تحيلُنا لأسئلة عن واقع علاقة الثقافة بغيرها في السلطنة.
يونس بن مرهون البوسعيدي

مُنذ مُدّةٍ يشغلُني هاجسُ وفكرةُ فك الاِشتباك ومساءلةُ الحوار عن إمكانية وجود أرضيّةٍ ثابِتَةٍ له، تكون قنطرَةً للعبور بالوطنِ للغد، والآن أستطيعُ القولُ أني وجَدْتُ إحدى حالات التخمّر للعلاقة بين رَمْزَينِ مِنْ رُمُوْزِ "اليوتوبيا" في السلطنة، "البريهة والقلم" بعد اتضاح بعض القسمات السياسية والفكرية لمرحلة ما بعد الربيع العربي، ومع إبصار حالة التشابك والاِشتباك بينهما إلّا أني ما أزال أتساءلُ ما هو الممكن لبلورةِ علاقَةِ تشابُكٍ أكثر من الاشتباك، هنا أشير لاعتقال الأستاذين عبدالله حبيب ثم سليمان المعمري، هذه الحالة كان قبلها حالات اعتقال، وأتمنى أنْ لا يليها اعتقال آخر، لكنني آخذ هذه الحالة أنموذجًا لهذا المقال لسببٍ مهمٍّ، وهو أن هذا الاعتقال لم يكن بسبب مسّ ذاتٍ مصونةٍ، أو كلام غيرِ لائق لجهةٍ أمنية، بل كان بسبب فعلٍ ثقافي "نبْش تاريخي" ثم ردّة فعل لذلك الاعتقال، وهذا أعادَ لِذهني أسئلةً كنتُ نبشْتُها في مقال سابق عن المسموح به والمُمْكن لإظهار "المكوِّن الثقافي" وَمْن يقيس مساحة الممكن ومَنْ يُقنِنُها؟ وهل للمثقف الحق الوحيدِ في العناصر الثقافية، في التكلم والدفاع والتعامل معها، أم أنّ للسُلْطة "الأمنية" حقًّا أصيلًا وأكبر وأقوى في التعامل مع هذه العناصر "ولو كان ككتلة ماديّة" واستخدامها مع مُعطيَات سياسية واجتماعية أخرى؟ إلى الأسئلة الأخرى التي تتولّد وتتوالد بطبيعة حال السؤال، وما سيؤدّيه ذلك إلى اشتباك معتاد لكنه ساخن بين "اليوتوبين" والسُلْطَتين الثقافية "والسياسأمنية" إذا صح النحت.
 سأتجاوز الحديث في هذا المقال عن سرْدِ الأحداث، وما بدا مِنْ انقسام في الوسط الثقافي إبّان الاعتقال، وبدا لي أنّ هذا الانقسام أكسبَ السلطة الأمنية استحقاقا في اعتقالها، أو ربما اعتقال أحد المُعْتَقَلَيْن، هذا الانقسام كان لأسباب منها الشخوص والعلاقات الشخصية، وأبعاد القضية، والتوجّس، وتوسّعَ أو انكشاف دائرة "المثقفين" بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، فبالطبع لم تَعُدْ شخوصه محصورةً في الوجوه التي كانت تظهر في الصُحُف، كما أنّ هذا الاعتقال جاء بعد انتخابات جمعية الكتّاب والأدباء التي أظهرتْ شرخًا في تعامل المثقفين مع أنفسهم في قضاياهم الديموقراطية، وهو ما انعكس في التعامل مع الاعتقال، كما بدا مِنْ بعض الكتابات الفيسبوكية.
كلمة "المثقف" في هذا المقال ذات مغزى محصور، فلا تتوخى الكاتب أو الأديب فقط، ولا تتوخّى المثقف المُهادِنْ للسُلْطة في كلّ صحّ أو خطأ، بل تتوخى المُثقف المطالِب بمراجعة القانون الذي يقول عنه أنّ مساحة الحريّة الثقافية فيه غير كافية، كما أنّ السُلْطَةَ في هذا المقال تتوخى "تقريبًا" السُلْطة الأمنية التي "تمتهنُ بمعنى المِهْنة لا المهانة" حراسة الحدود الفكرية للوطن بآلية عملية ذات سند قانوني، لا تخلو من "حِيَلْ فكرية مُتَمَثِّلة في القُدْرَة على التعامل الإلكتروني –لو صحَتْ هذه النقطة ، وهي ليست تهمةً أو عيبا-، وكذلك آلية التعامل مع المثقفين، وأستخدمُ هنا كلمة تمتهن دلالة على أنّ ذلك عملٌ وظيفيُّ لها كُفِلَ بالقانون، بِغَضِّ النظر رضي المثقف أو لَمْ يرضَ عن قوةِ تلك الكفالة، كما أني أظن أنّ هذي "السُلطة الأمنية" لا ترى نفسها مسؤولة عن أي عطاءٍ ثقافي أو قانوني أو سياسي أو اجتماعي يتطلبه المثقف بالمقابل، الذي في كثير من شرائحه يربُطُ بين الكفالة القانونية، والاشتباك الثقافي مع السُلْطة أو الإدارة الثقافية مِنْ جهة، وحقوقه المدنية والاِجتماعية مِنْ جهة أخرى، كونه يرى السُلْطة كتلةً واحدةً في كثير مِنَ الأحايين، بينما السُلْطَةُ الأمنية لا ترى نفْسها كما يراها مجتمع المثقفين، وأظنّ أنّ هذه هي إحدى الجَوْزات التي يجبُ كسرُها، إنما أنّى؟
تشريع السُلطَة الأمنية لقوانينِها، و ردّة فعل شريحة معتبرة من المجتمع الثقافي أنه قانون أحادي الجانب وليس عقدًا اجتماعيًا، وفهم كلا الجانبين لرغبة الآخر وربما امتعاضه من دورِهِ ومهنيّته، يُظهر البرزخَ بينهما بجلاء، ولأنّ الثقافة هي الجمرُ تحت الرماد في تسيير الأمم والمجتمعات، ضمن عوامل أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية، وتأريخيًا هي أكثر العوامل صدامًا مع السُلطة، فأظنّ أننا في السلطنة نحتاجُ إلى إعادة النظر في تنظيم [الإدارة الثقافية] وليس الفعل الثقافي[1]، خصوصًا أنّ الإدارة الثقافية مقنّنةٌ في (معظمها وليس كلها) بالمِظلّة أو الرعاية الحكومية، وهذا يُحيلني سريعًا إلى هامشٍ في الكلام أشيرُ فيه بين المساحات الإدارية للمهتمّين بالثقافة الأدبية أو المسرحية مثلا عابرًا، مقارنةً بالمساحات الأخرى للمنشغلين بتنظيم الفعاليات الاقتصادية أو الاِجتماعية أو الدينية مثلا، هذه الإشارةُ تريدُ مِنَ المهتّمِ أنْ يضع بنفسه الأسئلة والأجوبة، ومدى الفعاليات والإمكانية، وجُهد المشتغلين، وووو....إلخ. وأرى أنّ توسيع حدود مساحة الرعاية الحكومية وفق نظُم وقوانين "مُتفقٌ عليها" سيوجد متنفّسًا وتنافسًا فكريًا وثقافيًا وطنيًا خلّاقًا، عِوَضًا عن "تَمَلْمُلِ" البعض مما رأوه تضييق خناق أمثلُتُه ما تزال في الأذهان والذاكرة، لهذا فإني أنّ بوابة ذلك تتمثّل في إعطاء المثقف عددا أكبر من مقاليد صناعة الإدارة الثقافية، والمساهمة في وضع القوانين التي تنظّم العمل الثقافي، مع استذكار أنّ مجلِسَي الشورى والدولة في السلطنة يقومان بمثل مُتَطلّبِ هذه الفكرة، وكفكرةٍ في مقاربَةٍ بينهما أتساءلُ عن إمكانية "تكثيف" العمل المشترك بين المثقف وهذه الأجهزة.
مع ذلك أتساءلُ ما إمكانية رسْم منطقة حياد، أو مكانة الأعراف على أقلّ قليل، بما نتمتع به في السلطنة من مُتّفق عليه أكثر من مختلفٍ عليه، وماذا يُعطي المثقفُ لوطنِهِ؟ ربما تجاوبُ السلطة الأمنية: غالبًا الصُداعَ، فالمثقف ليس حدّادًا يصنع باب حديد، أو طاهيًا فيطهو معكرونة، المثقف يقولُ أنا أدُلُّكَ على الضعفِ الذي يدبُّ في رُوحك، والأورام التي تَظهرُ في جسدِكَ لتسرع بعلاجها، لكنكم تُنْكرُون إلّا قليلا. ولولا المثقف لمات الوطن، هنا أستذكر كتاب عودة الروح لتوفيق الحكيم الذي تأبطه جمال عبدالناصر، وغيرها من الكتب التي يُحشى بها الجمجمة التي تتمترسُ بها "البريهة" والتي لولاها لرجعت البشرية إلى عهد إنسان الغاب.
كان مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والفكر، نشرَ في نوفمبر 2014م كتابا هدية من المجلة الثقافية، هذا الكتاب عنوانه "الحدود بين حريّة التعبير والإساءة إلى الآخر" للشيخ الدكتور محمد بن سالم بن عبدالله الحارثي، كُتب بخطٍّ صغيرٍ تحت عنوانه عبارة [نحو ميثاقٍ للتعايش السلْمي والاحترام المتبادل "في الثقافات المُعاصرة"] وهو كتابٌ دسم، بدا لي أنه حياديّ في إمكانية الرجوع إليه والاستشهادِ به "كمادَةٍ علميّة" تُضاءُ منها الحاجةُ لمعرفة العلائقيات التي تشبكُ وتشتبكُ بين المثقف والسلطة، مع التنويهِ مُسبقًا أن ما أورَدَهُ الباحثُ هنا مُتَفق عليه في مُعظَمِهِ[2]، وإنما مختلفٌ في تطبيقِهِ، إذن فالاختلافُ هو في فهم وتطبيق ما اتُفِقَ عليه. هذا الكتاب يجعلني أطرحُ مرّة أخرى عن الرغبة والإمكانية في (التفاعل) الثقافي والفكري بين المثقف والسُلطة، لكني هذه المرّة أوسّعُ دائرة المثقف والسُلطة، أو استحضر شخصية "مُثقّفٍ في السُلْطةِ[3]" يرى الأوراق الرسمية الحساسة للسلطة السياسية والأمنية، ويقرأ الحراك الثقافي العالَمي، مسُتشعِرًا إياه على الواقع العُماني.
فماذا يُريدُ المثقَفْ؟ وماذا يُرادُ مِنَ المثقف؟ وهل تستطيعُ السُلْطَةُ الأمنية[4] |ربما| بِـ"فهلوةٍ أو فبركةٍ" مُعيّنةٍ أنْ تعقد مع المثقفين [قانونا "إجتماعيا"] وفق مرئيات تقريبية للفهم العام لدلالة "خيانة المثقفين" وليس من النصوص الأخيرة (لخيانة المثقفين) لإدوارد سعيد؟ التي يبدو أنها حاليًا تستخدمُ "المتعلِم[5]" حسب نظرة إدوارد في التعامل مع المثقفين، أو في ظِلّ تطور معرفي وحضاري جديد للمثقف، ستتعدى نظريّة إدوارد الذي لَمْ يُكتب له مشاهدة الربيع العربي ومآلاته السياسية والفكرية، وأظنّ أنّ صياغة "القانون الثقافي الاِجتماعي" سيكونُ المُحَلْحِلْ الأول لحالة الاشتباك الثقافي الأمني.
الدول الكبرى لا تخوضُ حربًا إلا بموافقة برلماناتها، وقد يكونُ ذلك صوابا أو خطأً، وقد يكونُ ذلك الظاهر للعيانِ فقط، وليس ما تُخفيه الأروقةُ المخابراتية أكثر، بل ما أفرزتْهُ آلية رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد كسرَ هذه الديموقراطية النمطية لتلك الدول الكبرى، لكن هذا يعني أنّ الأمر الجلل العظيم لا يتمّ بأمر البريهةِ وحدها فقط، والأمثلة السياسية [الظاهرة] كثيرة، إذنْ فالدول الكبرى استوعبتْ واستساغتْ فكرة المساحة التي تُعطى وتُقنّنَ، وهذي في حدّ ذاتها مساحَةٌ لو أُتيحتْ في عُمان، بتحديث مُمْكِناتها وإمكانياتها الثقافية والسياسية، ستُشكّل الرئة الجديدة في تنقية هواء الاحتكاك بين السلطة والمثقفين، إنما السؤال مرّة أخرى أنى؟
أظنّه يجبُ أنْ نستوعب في السطنة أننا يجب أنْ نؤسس مرحلة ثقافية وفكرية "وطنية" أخرى، شُجاعةُ في اقتحامها "الممنوعُ عُرْفًا" وربما "ذات التأويل القانوني" مِنَ المرحلة الثقافية المُتوخّاة، هذه المرحلة، قد لا تختلفُ كثيرا عن المرحلة الحالية إلّا في مناقشة وحلحلة ذلك "الممنوعُ عُرْفًا" الذي يبدو أنه تجاوز مرحلَته أو سيتجاوز مرحلتَه لا محالة، والمتمثلة في كثيرٍ من آلية عمل الإدارة الثقافية في السلطنة، والمساحات المعطاة، وبعض القوانين المُقيّدة، وإعادة النظر في المناهج الدراسية بما يقوّي الجيل القادم من السلطنة، وضخّ منسوب استيعاب وفهم كبير للأجيال القادمة بحركة التاريخ، وأهمية الرموز العمانية، فالتاريخ لا يُمكن أنْ يعيش مدفونًا في مندوس خشية أنْ يُلاقي مصير وضّاح اليمن، كما أنّ الأجيال البشرية تشهدُ تغيّرًا متسارعًا في آلية الفكر والتفكير، ناهيكم أنّ تعامل الإدارات الثقافية مع المكونات الفكرية والثقافية العُمانية أغرى غيرنا بها، وأوجدَ فجوة (أظنها) تتسع بين المثقف والإدارة الثقافية، ستتسبب في حالة اشتباك أخرى، بينما الأجمل أنْ نعمل على تشابكٍ كغصونِ الشجر، لتكون لدينا حديقة ثقافية جميلة.



[1] أقصدُ بالإدارة هنا هو مَنْ يقيم ويرعى الفعل الثقافي، كالمنشط الثقافي، في حين أنّ الفعل يتمثل في إقامة ذلك المنشط كالمحاضرة أو كتابة كتاب.
[2] أقولُ في معظمِهِ لأنّ الكتاب الصادر عن جهة رسمية تتبع ديوان البلاط السُلطاني، مثلا يقولُ في صفحة 65 أنّ مِنْ عناصر حرية التعبير عن الرأي هو ارتفاعُ العصمةِ عن أي أحد، وبالطبع لا يُطبّقُ هذا حرفيًا في السلطنة، إضافة لأمثلة أخرى لا يتسعُ لها المقال.
[3] في عُمان ، يوجد لدينا مثقفون في السُلْطة وفي مناصب قيادية، بعضهم وزراء، كما أنني نوّهتُ أنّ الحكومة وضعت لجانا ثقافية في مجلسي الشورى والدولة، ويُستعان في بعضها بمثقفين ذوي خبرة عملية، وحاملي شهادات عليا.
[4] هنا القصد على مستوى الوطن العربي مثلا، إنما أتمنى أنْ تكون البداية من السلطنة، متجاوزين فكرة انتظار ثمار تجربة الآخر.
[5] المتعلم ببساطة وفق نظرية إدوارد سعيد للمثقف، كما فهمتُهُ هو الشخص القارئ غير الفاعل بثقافته مع قضايا مجتمعه، ويقولُ البعضُ أنّ السلطة الأمنية في عُمان تُريدُ "قَوْلَبَة" المتعلّم ورفعه لدرجة المثقف وِفْق قوالبها الجاهزة.

الثلاثاء، 5 أبريل، 2016

الأمر ليس سهلا كما يبدو" هينمات مع الشِعر في يومه العالمي


أَقْدمُ نصٍّ شعريّ وجدْته لي للآن يعود لسنة ١٩٩٣م، وكنتُ يومها ابن ثلاثة عشر سنة، ولكن إذا كان لا بُـدَّ من خطِّ بدايةٍ كشهر محرّم نقول بِه بدأ بداية قطعية فلا بأس باستذكار أنّ أول نص شعري نُشر لي ، كان في يوم أحدٍ من سنة ١٩٩٨م، في صفحة القرّاء بصحيفة الوطن، للآن لا أعرفُ مَن أرسل النص الشعري ، لكن هاجسي يقول لي إنه أبي الذي كان يحب المراسلات ، وأنه هو من وضع الرسالة في صندوق البريد ، مع العلم أن النص نفسه بعد يومٍ واحد نُشر في ملحق عمان الثقافي الذي كان يُشرف عليه الأستاذ الشاعر سعيد النعماني ، وما تلا ذلك من حكاية ظريفةٍ بيني وبينه حين رآني لأول مرة، إذن قرابة عقدين - وهي المسافة الزمنية التي رضيتُ بها كخط بداية مع الشِعر - تقِفُ بي بعد الطموحِ والعرامة على نصل السؤال، و(تُمرمِطُ) بي في أمواج الحيرة والقلق وعدم الرضا، وكثير من اللامبالاة واللاوفاء لهذا الشعر الأقرب لي مني، فما عُدْتُ أسأل ماذا أُريدُ منه وماذا يُعطيني، خلعتُ فكرة الخلود الكلكامشية به، وطأْطأْتُ هامة الطموحات، وأرخيتُ وتر الأغنيات والأمنيات، فكأنما قبل الغَورِ في التراب، انتثرنا في الرماد. ( حتى أنت يا بروتوس/ الشعر).
الشِعر في داخلي كائنٌ "تِنينيّ" يطرحُ أسئلته المزمنة، عن هويته (سيرورته وصيرورته) ، عن جدواه، حين يُمسكه العقل كلوغارتيمات لا أجدُ له حلًّا ، وحين يستريح في حُريّته ويطير محلّقًا في خرافته لا أجدني أستطيع الإمساك به ، وأحسه متجبرا متكبرًا على الوضوح والشفافية، الشعر هو ابْنُ السماء الذي رماني بقلقِ عدم الرضا، يلعبُ بي كطائرة ورقية بين يدي الأطفال، ومع ذلك فهذا الوحيد الجاذبي لِعمق وحدته هو العباءةُ الكونية التي ألفُّ داخلها مجرّاتٍ إنسانية ووطنيّةٍ و ذاتية، وهو مالئي بهواء الأنا ، الراسمي في المرايا المحدّبة، الرافعُ دويّ اسمي كالأذان، الراسمي بألوانه في صفحة الوجود، ربما أنا جسدٌ آيلّ لرماد النسيان لولاه. تخيّلْ أنْ يكون وطنك وأُبّهتُكَ وحِرفتُك الكلام، باختصار أنّ هويتك وكينونتك ووجودكَ قد تكون هشّة، يا إلهي إنني من طينة المغامرين المقامرين بحيواتهم، ومع هذه الهشاشة التي تجدها ، فإنّ هناكَ (ربما كائن ملموس) مَنْ قد يستشعرها قوةً مضادة ، وعليه تتعرض للسحق والمحق، وكُلُّ هذا في حقيقة الأمر قد تكون لحظات بطولة فارغة في دراما الحياة ومسرحياتها، كالأطفال شاهدوا الرسوم المتحركة ، ثم نفخوا بالوناتهم الصغيرة ليطيروا بها.
هل الشِعرُ هو شجرة الخلود يا كلكامش؟ بل ماذا يُجديني الخلود ، إذا لم يُقبَل دعاء ( رحمه الله)، وَلَمْ يُطعمْني هذا الشِعرُ رغيف خبزةٍ في قبري؟ هنا أتمرّد على ڤانتازيا الشعر، وأنحاز إلى صلادة التفكير والفكرة، فلا يُعجبني أنْ أتقمص الأساطير ، بل أنحاز إلى (طوبية التجار - على حسب فهمي وتذكري لابن بطوطة) ، فالواقعية والانتفاع بقدر الممكن من هذه الهشاشة بعبثيّتها، خَيْرٌ لي من ( وتركك في الدنيا دويًّا ) لآخر ما انحاز له وشاءه أحمد بن الحسين الجعفي (المتنبي) ، أستطيع الاقتناع أنّ (واقعيّة التجار) أجدى ، بل قد تتواءم في مسربٍ ما مع ڤنتازيا الشِعر، فبِقليلٍ مِنْ "الطبطبةِ " على قلق أمواجِ البحر قد نصل إلى (سلامٍ بارد) ، تتعايشُ فيه الكتابة بِرُشدٍ وانتفاع ، مع يقيني المطلق أن (وتركك في الدنيا دويًا ) تحتاجُ إلى جعل (روحيَ في راحتي * وأُلقي بها في مهاوي الردى). ألا يريد منّا هذا الشعر أنْ ننصاع لمشيئته ونشكره على قطراتِ مننه، بله نزهو بها، ننصاعُ كما نُجرجر التيوس للهَدْي، لكنه لماذا لا يهِبُنا الانصياع، لماذا لا يلين كحديد داوود؟ لماذا لا يمتلئ بالكمال ككلام الله؟ أريدُ أنْ يوحى لي بأَخْلَدِهِ من أعلى سماواته عن الأوطان الموبوءة بعنجهية الدكتاتورية وعنجهية الساسة، عن عمَّال النظافة، عن العانس التي تنتظر عريسًا هرِمًا قبل القبر، عن الذين ذهبوا للقبر وماذا يقولون في البرزخ، عن هاجس الإنسان البسيط المنحشر في حياته، عن خاطرِ حجر في البرية وخالج برعم في أعالي الشجر، إن استحواذه علينا وكأننا مُلكية خاصة له، استحواذه على قلقنا ، هاجسنا حُلمنا، فِعلِنا ومعنانا ، وصلافته - كرأي خاص بي- لا يجعلني أرضى بالوفاء له، فربما لو كنتُ بائع فجل في سوق الموالح، أو سائق تاكسي يعيش حياته ولا يشذّب لحيته ، غير واعٍ جدًّا ، ولا عاقلٍ لدرجة الحكمة ، ربما كان خيرًا لي من الوقوع في مأزق الشِعر.

ليتني كنتُ كسلطان الشيباني حُرًا يُنقّب المخطوطات، أو كخميس العدويّ يُنافحُ صوابه وخطأه في الرواية، أو ما أحلاني لو كنتُ محاضرًا أكاديميًا كأحمد المعيني، لقد اكتشفتُ أني لا أحبّ كوني شاعرًا

الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

الربيع العربي، وتأريخية الاِستعمار الجديد


لَمْ يأتِ في التاريخ البشريّ كونَهُ أيّ استعمارٍ بمحضِ الصُدْفَة، أو بغير ثقافةٍ "ساديّةٍ"، الاستعمار بكلّ أشكاله يمرُّ بِأيدلوجيّاتِ استعمارية، وقد كشفتْ الأيامُ والحقائقُ أنّه لم يوجد في التاريخِ أيّ استعمارٍ سلميّ، وإذا كانتِ الأديانُ التي تُسمِّي نشر معتقداتِها بمصطلح (فتوحاتِها أو عملياتِ تبشيرِها) اضطرَتْ كما تزعم للحرب، فكيفَ بالقوَةِ الساديّةِ التي راودها حُلْمُ وضع القمر في شباكِها.
يُعرِّف "جورج ليسكا" الاستعمار ببساطةٍ "هو نظام التفوق، التسلط، السيطرة" ولا يختلف "مورجانثو" عنه حين يقولُ إنّ "الاستعمار لا يخرجُ في حقيقتِهِ عن كونه أحد مظاهر التسلط السياسي أو الاقتصادي أو العسكري أو الثقافي أو الحضاري الذي تمارسُهُ دولَةٌ على غيرها، وغالبا ما يكون الهدفُ منه الاستغلال الاقتصادي للدولة المُستعمَرة، وتسخير إمكانياتِها الطبيعية ومواردِها البشرية لرفع مستوى الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للدولة ذات النفوذ الاستعماري" نظريًا تستطيعُ العينُ المجردة أنّ ترى هذا التعريف بدأ بالانزياحِ تدريجيًا في مآل المنفعة وبتركيزٍ أكبر لِآليات الاستعمار، وتجلّى هذا في استعمار القرنِ الحادي والعشرين الذي يُجمع المفكرون السياسيون أن له غايتين مهمتين دون غيرهما هما تشكيل خارطة الشرق الأوسط الجديد، وعملية (تبشير مسيحية أو تهويد) -وهذا ما حدث ما بعض النازحين من بلدانهم لأوروبّا بسبب الحروب الناتجة من الربيع العربي- ، وبهاتين الغايتين تتكون المنافع الاستعمارية الباقية، وقد بدأت تذهبُ براميلُ نفطِهِ، ومبيعاتُ أسلحته إلى جيوبِ (عُصْبَةٍ) تُديرُ الحرب الاستعمارية الجديدة، وبآليَةٍ عاريَةٍ أكثر، لكن بوسائل ضغطٍ وتخديرٍ أقوى.
تُشتهرُ الوسيلةُ العسكرية أنها أبرزُ وأعتى وكذلك أضعفُ و(أبلَهُ) وسائل القوى الاستعمارية، فهي تضرب بِيَدٍ مِنْ موت، لكنها في الحينِ نفسِهِ لا تملكُ وسائل الملهاة أمام خيار الكبْس، مما يُثيرُ الشعوبَ بسرعةٍ ضدّها لأنّ الضغط يولّدُ الانفجار، وهي قد تُشكّل الزناد والفوهةَ للاستعمار، إنما "مخزنُ الرصاص" هو الاستعمار الاقتصادي، الذي كان أشهر أقنعتِهِ في الحفلات التنكرية هو "استعمار الدولار"، كما أنّ هناك الاستعمار الخفيّ كتنصيب حاكم وفق تفصيلات الغرب، بعد أنْ تربّى في مزرعته، لكن ما بدأنا نشاهِدُهُ ببجاحَةٍ وفجاجَة هو صراعُ الثيران الأخوة، كما تحكي الطرفة العربية القديمة، فالثوران الأحمر والأبيض يأكلان الأسود، من ثم سيصرخُ أحدُهما (أُكِلْتُ يوم أُكل الثورُ الأسود).
ليس من باب الإيمان بنظرية المُؤامرة حين يطرحُ السؤالُ نفسه: ما هي قوة الدهاء الفذّة التي امتلكها إسرائيلُ والعقلُ الغربيّ "عمومًا" كي يُدوِّخوا بوصلتنا ويُخدّروا نباهتنا، شرّ البليةِ ما يُميتُ لا ما يُضحكُ إذا تذكّرنا أنّ بعض الأفلام الهوليودية منذ فترة التسعينات، وبداية الألفية كانت تتحدثُ عن خطةِ تقسيم المنطقة العربية، في تلك الأفلام كانوا يذكرون "سايس بيكو الجديدة" ، ثم بعد فترة جاءنا مصطلح "الفوضى الخلّاقة" من فمِ رامسفيلد وزير خارجية جورج بوش الاِبن، لتُتِمّ خليفته "كونداليزا رايس" إخبارنا ب"الشرقِ الأوسط الجديد" لكننا في غفلةٍ سامدون.
يبدو أنّ ما يُعرَف بالربيع العربي كان ضمن الاِستراتيجيات الاستعمارية الغربية للمنطقة، وهنا لا أُفرّق بين أنظمةِ الحُكم والشعوب، ما دام الأمر استراتيجية استعمارية تُضافُ لما انكشف مِنَ الاستراتيجيات السابقة مثل ( ثورات التحرير العربية،"التي سُرِقتْ" ، والحروب الباردة التي بسببها تكتلت الدول، وانطلتْ عليها بعد ذلك الانحياز وعدم الانحياز) وكلُّ هذا كان كحركة الماء في الدلو، لا تتعداهُ بين الخوفِ وبين تسكين انتفاضة المذبوح، لِتُحقِّقَ تلك الدُولُ المستعمَرَةُ "فكريًا" مصالح الدول المُستَعْمِرة، والآن بعد قرْنٍ كامل ونيفٍ ربّما نستطيعُ التأكيد أنّ الاحتلالَ الفكريّ لَمْ يُبارِحْ جماجِمَنا.
        العقلية الغربية صبورةٌ في التجريب، تتجردُ مِنْ حصْر الدولةِ والحُكْمِ في فرْدٍ أو نظام فرْدٍ فقط، وبالطبع هذا الكلامُ لا يُبيِّضُ ساحتها، إنما القصد أنّ "علي بابا" يأخذُ نصيبه، ليتداولُ أحدُ الأربعين لصًّا مكان علي بابا، المهم أنْ يُتِمَّ اللصوص  دورَ "رُوْبِنْ هود" في عباءة الصعلوك العربي، في حرْبِهِ لأجلِ لقمةِ الفقراء، أضِفْ للقمَةِ هنا الدفاع لراية الحرّية والعدالة للشعوب المهضومَة الحقوق، إنما بتفصيلٍ منْ "زرَق ورقْ" أيْ بُهْرُجٍ خدّاع، ولأن العقل الغربي صبور فهو يُمارِسُ بِعُرْيٍ فجٍّ تجارِبَه الحداثيثة في احتلالِ الشعوب، فمنذ (Operation Northwoods) في ستينات القرن الماضي التي بسببها أُحتلّت كوبا، مرورًا على (Stay Behind) لِمُكافحة النفوذ الشيوعي، والتي لحقها كذلك ما عُرف ب"استراتيجية الاِضطراب" التي خلقت التوتر والعنف لأجل ضرب المعسكرات اليسارية بالحُكْم العسكري، جاءت ما يُعرفُ ب"الفوضى الخلّاقة" وهي تُطبِّقُ سياسة "الراية الخادعة" هذه السياسة التي نعيشها نحنُ الآن بكل أبعادِها وتجلياتها.
السكّين التي تُقطّع كعكنا الحجري الآن هي سكين "برنارد لويس" الذي قدّم فكرة تفكيك الشرق الأوسط، وقدّمه للرئيس الأمريكي كارتر عام 1983م ووافقوا عليه في "ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية الخارجية" ، ولنُركّز لطفا على كلمة الاستراتيجية، ومنذ ذلك الحين خُططت ليكون فوّهاتُ بنادِقنا فوق صدورِنا، لكن البنادق ليست مِنْ صُنْعِنا، نحن الآن نتحارَبُ على اللاشيء، على مذهبيّةٍ غير موجودَةٍ في ديننا أصلًا، فكانت الرايةُ السوداء، وكان التشويهُ في التفكير الذي قاد للتكفير، وكلّ هذا تحت راياتٍ مُخادِعة، وكان الإعلامُ هو الهواءُ الذي خفقَ بتلك الرايات، ولأنّ الغرب كما أسلفنا ذو استراتيجياتٍ طويلة المدى، فإنّ نظريّاتهم يُتاحُ لها من التخمّر والصُنْعِ مساحةً ومسافةً للانقضاض في الوقت المناسب على أهدافها، وهنا أستشهد بما قاله الكاتب سليم مطر في كتابه "أخطر أسرار الاستراتيجية الأمريكية في العراق والشرق الأوسط" من مذكرات الرئيس الأمريكي ريغان قوله ( إنّ فشلنا بحرب فيتنام كان بسبب الإعلام، لذلك فقد دخلنا بقوة بإستخدام وسائل الإعلام في التأثير الحاسم على الحكومات والتحكم بمواقف الشعوب) إنما تُوِّهَتْ عدسةُ الإعلام ومكبّر صوته بعد الربيع العربي، فمذ كان في بداية الألفية هو الدافق الأول لقضية فلسطين، أُنْسِيْنَا بمشاهداته (التحريضية وقد لا يشعر) أخبار إسرائيل في فلسطين، لأنّ أخبار ما بعد "الربيع العربي" هي التي صارتْ تتصدّر نشراته.
هذه الأحداث تحتاجُ لتأمل، "أحداث ما بعد الربيع العربي.. مَنْ صنعها ويُحرّكها؟ التفكير الجماعي للشعوب والانزلاق في أتون ومستنقع الطائفية من يؤججهُ وكيف؟ الاِعلام كيف اجتُذِبَ فصار محرِّضًا علينا لا لقضايانا؟ أين هي استراتيجياتنا القومية لنعودَ كأمّة واحدةٍ إلى مشتركاتنا التي تجمعُنا وليس إلى ما يُفرّقنا؟


الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

حين نهدر الماء .. إلى د. ضياء خضير

Share Button
في محيط عملي الذي قدّره الله لي لُقمَةَ عيْش، أخذْتُ خِبْرَةَ وافدٍ مُقتَدِر، مع خبرات عمانيين آخرين ترك الآن معظمُهم العمل، وحين تركَ ذلك (الخبرةُ) موضعه، لم تكن الفطنة قد تخمّرت بَعْدُ للاِستفادَةَ منه أعظم استفادة، وهذه الحادثة يُقاطِعها منشورٌ في «الفيس بوك» كتبتْه طبيبةٌ عمانية عن طبيب وافد، إضافة لمعايشتي لمصمم فنّي في إحدى الصُحف المحلية المرموقة، والعِلّة هو التقدم في السن، ويحتشدُ كلّ هذا مع تغريدة لمنتصر الحراصي يذكر فيها أستاذه «ضياء خضيّر» الذي ترك أو تركه مقرُّ عمله لعلّة السنّ أيضًا، قائلا: «ضياء خضير له ثلاثة مؤلفات لعُمان، وهو مَنْ أسس قسم اللغة العربية في الجامعة، الأكاديمي كلّما تخمّر أو تخلل في العمل الأكاديمي كان عطاؤه أكثر إلّا ما ندر»، بينما في زيارة قصيرةٍ للنمسا، علمتُ أنّ سن التقاعد الاختياري هناك هو الخامسة والستون، لا يعني كلامي أعلاهُ نقدًا على نظام العمل، بقدْر ما أتحسّر أننا نخسرُ ثرواتٍ بطريقةٍ دراماتيكية.
حينَ أخبرني د. ضياء خضيّر أنه غادر السلطنة للعمل في بيروت بعد انتهاء عقد عمله، اِنْبَهَتُّ طويلا في تأمّل يُغوِّرُهُ الحُزْن، بين ناقِدٍ طوّعه الحُب ليكتَب عن الأدب العُماني – مع افتقار المشهد النقدي العُماني للكتابات النقدية الجادة كالتي أسهم بها د. ضياء ـ وبين قولِهِ غادرتُ لانتهاء عقدِ العمل، يا إلهي، هناك من يربُطُهم بناظر عيوننا عقودٌ ورقيةُ قد تُقصيهم عن النواظِر، رغم أنّ «المخابرة» بيني وبين د. ضياء كانت برسالةٍ نصيّة على «الواتس أب» إلّا أنني استشعرتُ بحرارة حُرقةٍ دفينة في قلبِهِ، قد يتأولها الشاعر، إنما لا يشفعُ فيها عقدُ العمل، حينها تمنّيتُ لو أني التقيتُ ولو لمرّةٍ واحدة بالناقد الكبير الذي كتبَ عني.
أتأملُ في التاريخ سِيرَ كثير من العلماء الذين استوطنوا أرضًا عمروها بالعِلْمِ والإخلاصِ في نشْرِهِ، ثم لأمرٍ ما تركوا تلك (الأوطان المستَوطَنة والمستَوْطِنَة) بقلوبٍ خفقت كمدا، ثم تحدّثَ الزمنُ أنّ كراسِيَّهم واسطوانات المساجِدِ وحِلَقُ التعليم لَمْ يملأها مِنْ بَعْدِهم ولو جسدٌ له خوار، ولا أعرفُ لماذا أحسستُ بالأسى حين قرأتُ لضياء خضيّر حوارًا في مواقع الإنترنت يقولُ فيه (أتمنى قبرًا في العراق لا تقلقني فيه أصوات الانفجارات)، عجِلَتْ بُهراتي بتمتماتٍ صادقةٍ (أطال الله في عمركَ أستاذي).
د. ضياء خضيّر من القليلين الذين يتعدّون العمل الوظيقي إلى التنقيب في ثقافة البلد، ويخطّون لأنفسهم منجزًا حيًّا في ذاكرته، وذلك ما لا يفعله النقّاد العمانيون لو عتبنا على غير العمانيين، فقد أثرى د. ضياء خضيّر الساحة النقدية والمكتبات العمانية بمراجع من مؤلفاته مثل «المقامات العمانية من ابن دريد حتى عبد الله الخليلي»، تحقيق ودراسة، بالاشتراك مع د. كامل العتوم إبّان عملهما في جامعة صحار، وكذلك «وردة الشعر وخنجر الأجداد- دراسة في الشعر العماني الحديث»، و«القلعة الثانية – دراسة نقدية في القصة العمانية» إضافة لكتابه الأخير «الأبيض والأسود في السرد العُماني ونقدِهِ»، ولم  تظهر هذه الكتب فيما يشبه تجميع مقالات، أو لأن أحدًا طلبها من د. خضير في قراءة نقدية، بل ظهرت بأسلوب علمي رصين يبينُ عن ملَكَة فذّة وعلم راسخ، وحُبّ لِعُمان وللأدب العماني أشدّ رسوخًا.
في رأيي الخاص عن الشِعر في السلطنة، أنا على يقينٍ تامٍّ أنه سماءٌ لا سماءَ بعدها، إنما هي سماءٌ مُكَوَّرَةٌ أومتكوِّرَةٌ في جغرافيتها الضيقة، وإذا التمع كوكبٌ مِنْ تلكَ السماء، فإنما تراهُ عينٌ في غير سمائهِ أكثر جلاءً مما يُعرفُ به من «سديمه» إذا صحّ التشبيه والتعبير، إنما لماذا؟ أظنُّ العلة في أسوار الجغرافيا، وفي منابر النقد التي تفتقرُ إليها في السلطنة، وحين كنتُ مشرفًا على ملحق «قافية» تأكدتْ هذه القناعة عندي بجذْرٍ راسِخٍ من تعَبٍ في استجداءِ مقالٍ نقدي عن الشعر، بينما القامة النقدية د. ضياء خضيّر يُحبّر أسفارَهُ عن أفانين الأدب في عمان ، في حين يكتفي نُقّادُنا برسائل دراساتهم ، أو مقالاتٍ حين تُطلب منهم، في معظمها تكون احتفائية أكثر منها نقدية، فسبحان الله، أما مِنْ حيلةٍ أنْ يظلّ هذا البحرُ الدفّاق والمنهل العذبُ يروي السلطنة من مناهلِهِ العذبة، والتي أنا على قناعةٍ تامّة أننا محتاجون لها ، ولا يسدُّ أحدٌ نقصه، وعسى أنْ تكون هذه القناعةُ مخطِئة.